مقال رأي: حب، لغة، اندماج – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

  • 24 نوفمبر، 2020
مقال رأي: حب، لغة، اندماج – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

يمتلك صديقي نظرية فريدة من نوعها في تعلم اللغة الألمانية مفادها بأن تعلم الألمانية ليس ممكناً دون علاقة وحياة مشتركة تجمعك مع امرأة ألمانية، خلا ذلك فإنك سوف تمضي ما تبقى من عمرك وأنت تحاول!

في كل مرة نلتقي يكرر هذه المقولة مع الكثير من الزفرات والتنهدات، حتى أنني لم أعد أعرف أنه حزين لأنه لم يتعلم اللغة الألمانية كما يجب، او أنه لم يتمكن من العيش مع امرأة ألمانية؟ يتابع صديقي دفاعه عن

نظريته هذه بالقول، انظر حولك ستجد ان عدد الشبان اللاجئين الذين يتكلمون الألمانية بطلاقة مقارنة بالفتيات أكبر بكثير، الشيء نفسه بالنسبة للعازبين مقارنة بالمتزوجين.

وبينما كان يسترسل في شرح نظريته كنت افكر بأنه قد يكون على حق وأنه ليس من العدل ان يمتلك الشبان اللاجئون فرصة تعلم اللغة من خلال الحياة المشتركة مع فتيات ألمانيات بينما لا تمتلك الفتيات ” إلا ما ندر” هذه الفرصة مع الشبان الألمان.

خلال عقود من الزمن من حياة سورية تمكن آلاف الطلاب السوريين من الحصول على بعثات دراسية في أوربة وخاصة في دول اوربة الشرقية، منهم 15 الف طالب سوري درسوا في ألمانيا الشرقية وحدها وفق أرقام غير رسمية، معظمهم إن لم يكن جميعهم تعلموا لغات البلاد التي درسوا فيها من خلال علاقاتهم مع فتيات عاشوا معهن أو وقعوا في حبهن، للأسف قلة قليلة منهم جلبوا تينك الفتيات معهم إلى بلادهم، بعضهم لأسباب اجتماعية وبعضهم لأسباب شخصية، وبالتأكيد هناك الكثير من الفتيات الأوربيات رفضن ترك مجتمعاتهن والقدوم إلى سورية وهذا موضوع آخر تماما، لكن أحدا لا ينكر فضل هذه الطريقة على آلاف الشبان السوريين في تعلم لغات البلاد التي درسوا فيها وبزمن قياسي.

بالتأكيد لا تزال هذه الطريقة تتقدم على كافة طرق التعليم الأخرى وكافة مناهج التعليم التي ابتكرتها معاهد اللغة في ألمانيا، فهي لا تتعمد ترهيب الطلاب وإثارة مخاوفهم من اللغة الألمانية، بل تحولها كما السحر إلى لغة ممتعة ورشيقة وضرورية للتواصل الإنساني والاجتماعي، إنها بحق افضل مساهمة تقدمها علاقات الحب لدعم جهود الاندماج في المجتمع الألماني.

الآخرون الأقل حظا في تعلم الألمانية ومعظمهم من المتزوجين مثلي ومثل صديقي لايجدون مفرا من الاعتماد بشكل كامل على دورات اللغة التي تزداد صعوبة مع التقدم في السن و كثرة الالتزامات العائلية، لذلك فهم لا يفوتون فرصة في التعبير عن حنقهم وغيرتهم من الصنف الأول المحظوظ خاصة عندما يصلون متأخرين إلى دورة اللغة ويمضون الوقت في التثاؤب لأنهم لم يناموا جيدا في الليلة السابقة، لكنهم مع ذلك يتحدثون بشكل ممتاز!

يستخدم أحد أصدقائي عبارة اللغة الهيروغليفية بدلا من اللغة الألمانية، فيقول أنا ذاهب إلى دورة اللغة الهيروغليفية، تقدمت إلى امتحان اللغة الهيروغليفية، سقطت في امتحان اللغة الهيروغليفية، ويقول آخر أن رأسه من ماركة تيفال لأن الكلمات الألمانية لا تلصق أبدا، في حين طور آخر ملكاته في لغة الإشارة والجسد لتحل محل اللغة الألمانية في تعاملاته مع الآخرين بعد ان اصابه اليأس من تعلم الالمانية. بالتأكيد هؤلاء ينتمون إلى الفئة الأقل حظاً، وإذا ما فكرت بالنظر إلى هواتفهم النقالة فسوف تجد على الأرجح مقاطع قيديو ساخرة ومقولات تتحدث عن صعوبة تعلم الألمانية، ربما لتبرير التأخر في تعلم الالمانية.

قبل أيام كنت مع ابنتي في مدرسة لتعليم الأطفال على قيادة الدراجة، وكان المسؤول عن المدرسة يعاني من إعاقة شديدة في إحدى ساقيه، لكنه كان يدير المكان بشكل رائع وربما أفضل من اي شخص آخر. فكرت بأننا كلاجئين لو تمت معاملتنا منذ وصولنا كمعاملة هذا الشخص، بحيث تم سن قوانين تشجع الشركات على توظيف لاجئين بغض النظر عن مستواهم في اللغة الألمانية، على ان يؤخذ بعين الاعتبار تطوير مهاراتهم اللغوية خلال العمل فسوف يتعلمون اللغة الألمانية بسرعة أكبر من ارتياد مدارس اللغة بدون شك.

لكي تتعلم اللغة الألمانية يجب ان تحبها، ولذلك يجب ان تبحث عن الشخص الذي يجعلك تحب اللغة الألمانية وهو أمر صعب فالكثير من الألمان يعترفون بأن لغتهم صعبة ودون ان يشعروا يجعلونك تصاب بالإحباط. أحد مدرسي اللغة الألمانية في دورة B2 كان يصف باقي اللغات بأنها صبيانية وأن اللغة الألمانية هي اللغة القوية التي عندما نتعلمها نشعر بالفخر، صدقوني رغم انني بدأت اتكلم الألمانية بشكل جيد، إلا أنني لم أشعر بالفخر حتى الساعة، لا بل أنني أشعر الخجل أحيانا عندما ارتكب خطأ أمام ابنتي عندما أقوم بتأنيث كلمة سمكة او شجرة مثلا وهما مذكران بالألمانية، كنت سأشعر بالفخر أكثر لو أنني تعلمت لغة أخرى في أقل وقت ممكن.

في مرحلة ال B2 أيضا كان لابد لنا ان نتعلم كتابة موضوع يتضمن الشكوى أو الاعتراض على شيء ما سوف يواجهنا، مثل جهاز ما غير مطابق للمواصفات او تأخر بالتوصيل أو إقامة سيئة جدا في فندق ما، وكأن قدر كل مواطن يعيش في ألمانيا ان يتعرض لمثل هذا، وكان يجب عليك غالبا تذييل هذه الموضوعات بأنك سوف تلجأ إلى المحامي من أجل تحصيل حقك. أو موضوع آخر هو طلب المزيد من المعلومات وكأن الشركات التي تطلب موظفين جدد او توفر دورات تعليمية أو رحلات تتعمد إخفاء المعلومات عن الزبائن!.

لاحقا عرفت أنه يمكنك الحصول على كافة المعلومات عبر المواقع الألكترونية دون الحاجة إلى طلب أية معلومات إضافية في معظم الحالات وعلى صعيد حياتي العملية، لم أجد نفسي مضطرا لكتابة رسالة رسائل شكوى واحدة حتى الآن.

يقول صديقي لو أنهم علمونا ان تكتب رساله حب للفتيات الم يكن هذا افضل؟ أنه على حق فعلا!!

يحيى الأوس، صحفي سوري مقيم في برلين، كتب المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

هذا الموقع يستخدم Google Analytics في حال عدم رغبتك بظهور زيارتك في إحصائيات غوغل اضغط هنا.
error: Content is protected !!