مقال رأي: هذه هي المهن التي يأمل اللاجئون تحصيلها – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

  • 24 أكتوبر، 2018
مقال رأي: هذه هي المهن التي يأمل اللاجئون تحصيلها – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

يحب السوريون العمل ويدركون أن إيجاد عمل هو الطريقة الوحيدة التي تحولهم من مستهلكين للضرائب إلى دافعين لها ومن لاجئين إلى مهاجرين، لذلك فالعمل هو الحديث الأول لهم، ولكن ما هي طبيعة هذه الأعمال؟.

لا أبالغ إذا قلت انه لا يكاد يوجد سوري واحد لم تخطر في باله فكرة افتتاح مطعم للمأكولات السورية في ألمانيا، فالطعام السوري مشهور، والسوريون عموما ماهرون في الطبخ، لكن هذا ليس السبب الرئيس وراء هذا التوجه، بل لأن المطعم أو المطبخ هو من الأعمال القليلة التي يمكن ممارستها دون الحاجة إلى إتقان اللغة الألمانية بشكل كبير. عمليا فإن العديد من السوريين افتتحوا مطاعم للمأكولات السورية، وبالرغم من أن معظم من قابلتهم من الألمان قالوا أنهم مغرمين بالمأكولات السورية لكن وللأسف كان مصير معظم هذه المطاعم الإغلاق، فالأمر لا يتعلق فقط بجودة الطعام بل أيضا بالقدرة المالية والموقع وإقبال الناس، سوريون آخرون ذهبوا أبعد قليلا ولا زالوا يعاندون الحظ آملين أن تتحسن أوضاع مطاعمهم، القلة القليلة فقط أصابت النجاح ولا تزال مستمرة بعملها.

قبل أسابيع كنت أجلس مع مجموعة من الشبان اللاجئين في أحد المقاهي، وكان الحديث الذي يدور بينهم هو كيف يمكنهم إيجاد العمل، معظمهم كانوا يتحدثون عن صعوبة تعلم اللغة الألمانية وان مستوى إتقانهم للغة لا يؤهلهم للعمل في الكثير من الوظائف، الوظائف التي كانوا يتحدثون عنها كانت ضمن نطاق الوظائف الممكن لهم الحصول عليها، كان الحوار محزنا بالنسبة لي، فمن غير المعقول ان تتقلص أحلام مهندس أو مدرس جاوز الأربعين عاما لتصبح أن يعمل كرجل أمن في شركة والوقوف لستة أو سبعة ساعات متواصلة كل يوم من أجل 9 او 10 يورو في الساعة، إنه أمر في غاية الأسى، ليس لأنها مهمة متعبة فقط، بل لأنها وظيفة غير ودودة و تثير دوما الكثير من المشاعر السلبية ولأنها أيضا لا تتناسب مع المجال الذي اعتاد العمل فيه في سورية.

الهامش الضيق المتاح للاجئين في سوق العمل والمعايير العالية لهذه السوق تدفعهم إلى مثل هذه الخيارات، العمل في خدمة البريد “DHL” أو في كنتاكي أو في المطاعم أو في خدمات التوصيل باتت من أكثر الأعمال الرائجة في أوساط اللاجئين، إذ يمكنك من خلال اللاجئين التعرف إلى آخر عروض العمل المتوفرة وساعات العمل والأجور والتفاصيل الأخرى في هذه القطاعات.

قبل مدة زرت معرضا مخصصا لفرص العمل الخاصة باللاجئين، تنقلت على كل الأقسام دون استثناء، وجدت أن أكثر من نصف المشاركين هم جمعيات أهلية ممولة من قبل الحكومة طبعا و تقوم بتوفير النصائح والاستشارات للاجئين من أجل سوق العمل وهو أمر مهم بالطبع، لكن الوظائف المتوفرة لم تكن غير تلك التي كان الشبان يتحدثون فيها في القهوة. إضافة إلى بعض الأعمال الخاصة بالمشافي، لم أتمكن من تبادل الحديث مع أصحاب المهن بقدر ما تلقيت نصائح من الجمعيات المشاركة و سألت نفسي مرارا لو أن الأموال التي تمنح لهذه الجمعيات استثمرت في توفير فرص عمل حقيقية للاجئين ألم يكن ذلك أكثر جدوى؟.

في المقابل فإني لا أفشي سرا عندما أقول بأن هناك سوق عمل موازية غير رسمية تقوم بها العمالة المتخصصة التي لم تتح لها أعمال رسمية كعمال التمديدات الصحية والدهانين والنجارين الذين يمتلكون خبرات كبيرة من بلدهم الأم، وهم يلاقون استحسانا من الناس، ليس لأنهم أقل كلفة بل لأنه يمكن الوصول إليهم بشكل أسرع ولأنهم أكثر سرعة في التنفيذ وأحيانا أكثر كفاءة، على سبيل المثال يمكن لنجار أو سمكري سوري أن يأتي إلى منزلك بعد ساعات قليلة على أي مشكلة قد تواجهك في المنزل وتنسى أمر الشركة الألمانية التي أعطتك موعد نهاية الأسبوع القادم وسوف تتقاضى ضعفي المبلغ الذي سوف يأخذه العامل السوري.

سامي شاب سوري قرر افتتاح مركز نشاطات ثقافية وفنية ومن ضمنها مطعم سوري، لكن البلدية طلبت منه أن يقوم بتغيير اتجاه الباب الرئيسي، فقام بالاتصال بشركة لتنفذ التعديل، لكن الشركة قالت له أن أول موعد ممكن للبد بالعمل هو بعد أسبوعين فضلا عن السعر المرتفع جدا، وبما أنه لا يمتلك الوقت والمال الكافيين كي ينتظر أسبوعين، فقد قرر التوجه إلى الباو هاوس حيث اشترى آله لحام للحديد وآله قص بمبلع لا يتعدى ال200 يورو وقام بتنفيذ العمل بنفسه وحصل على موافقة البلدية في غضون أيام.

يأمل سامي أن يصيب النجاح في مشروعه الجديد كما يأمل أن تنال المأكولات السورية رضا الزبائن، لكن وفي حال أن هذا لم يحدث فإنه يمتلك اليوم على الأقل آله لحام للحديد وآله قص من المؤكد أنه سوف يستخدمها في كسب العيش!. ألم أقل لكم قبلا أن السوريين يحبون العمل كثيرا.

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!