مقال رأي: ألمانيا موطن البيروقراطية – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

  • 9 سبتمبر، 2017
مقال رأي: ألمانيا موطن البيروقراطية – يحيى الأوس لـ”زود دويتشه تسايتونغ”

لم التق حتى الساعة بألماني واحد لم يشتك من البيروقراطية!، جميع من التقيتهم يشتكون هيمنة البيروقراطية على حياتهم، حتى أن عبارة البيروقراطية صارت ملازمة لكلمة ألمانيا إلى حد بعيد، الجميع يتذمر منها دون استثناء، لكن المؤسف في الأمر أنهم عندما يتحدثون عن ذلك، يبدون مستسلمين لها وكأنها قدر لا يمكن التخلص منه.

في الواقع البيروقراطية إحدى الأشياء التي صدمتني في ألمانيا، لم أكن أتخيل على الإطلاق أن بلدا مثل ألمانيا يمكن أن يكون غارق في البيروقراطية حتى أذنيه. لم أتوقع أن يستغرق البت في قضية بسيطة ما عدة أشهر، أو أن تضيع أوراق المواطنين في مؤسسة حكومية، أو أن يرتكب الموظفين أخطاء قاتلة تماما كما يحدث في بلدان ما يسمى” العالم الثالث” أو أسوأ أحيانا، لم أتوقع أني سوف أحتاج إلى شهرين ونصف للحصول على موعد في البلدية رغم أنني تقدمت للحصول على الموعد عن طريق الانترنت، أو أن انتظر أكثر من شهرين للحصول على موعد من طبيب الجلدية” أشكر الله أني لم أكن مصابا بالجرب وإلا لكنت نقلت المرض لنصف سكان برلين على الأقل ريثما حان موعدي مع الطبيب”.

دائما ما أسمع عن مؤتمرات ومحاضرات عديدة ومحاولات مستمرة للتقليل من جرعة البيروقراطية في مؤسسات الدولة لكن للأسف يكاد ذلك لا يلحظ، ما يخشاه الجميع هنا هو أن البيروقراطية أصبحت مرضا مستعصيا لا يمكن الشفاء منه. لا أعرف بالضبط الوقت الذي يمضيه الألمان متنقلين بين دوائر ومؤسسات الدولة لإنجاز معاملاتهم، ولكن من الواضح أنها أكثر من اللازم، العديد من أصدقائي الألمان يقولون إنهم دائما ما يواجهون إجراءات ومصطلحات وتعقيدات إدارية لا يفهمونها فيضطرون إلى اللجوء إلى محامين أو خبراء لشرحها لهم ومساعدتهم، ولك أن تتخيل كيف هو الحال بالنسبة إلى اللاجئين؟.

بالنسبة إلى اللاجئين في ألمانيا فإن معظم البيروقراطية تأتيهم مع سعاة البريد الذين يتنقلون كخلية نحل فوق دراجاتهم الهوائية يحملون فوق أكتافهم البيروقراطية الثقيلة، يرمون بها في منازلنا ثم ينتقلون إلى منزل آخر. في بلدي سورية، سعاة البريد بريئون من هذه التهمة، وفوق هذا ليس لديهم زيا موحدا ولا دراجات ملونة، كما لا تبلغ نسبة من يمتلكون صناديق بريد أكثر من 5% من عدد السكان، عمليا انتهى عصر سعاة البريد قبل أن يبدأ زمن الحكومة الالكترونية للأسف، فقط الكتاب الرومانسيين المتقدمين بالسن يشعرون بالحنين إلى عصر سعاة البريد لأنهم يضطرون لإنشاء بريد إلكتروني جديد في كل مرة ينسون فيها كلمة السر الخاصة ببريدهم القديم.

أول تجاربي مع التعقيدات الإدارية في ألمانيا كانت مع شركة التلفزيون الرسمي، فمنذ أن وصلت وإلى اليوم لا تزال هذه المؤسسة تواصل إرسال الرسائل تطالبني فيها بدفع الضريبة الرسمية لتتأكد من أني لا زلت استفيد من نظام المساعدات الاجتماعية، لا أعرف لماذا لا يقوم الجوب سنتر بالتواصل مع المؤسسة مباشرة بهذا الشأن؟. عندها لن أكون مضطرا لفتح ملف خاص لهذه المراسلات، كما سيشعر بالفرح موظف الشركة المسكين الذي لم ييأس من مراسلة أشخاص مثلي على أمل تحصيل بعض النقود منهم. التجربة الثانية كانت عندما لم أتمكن من تسجيل ابنتي في المدرسة القريبة من بيتي، قالوا لي أنها تتبع منطقة إدارية ثانية، اضطررت إلى تسجيلها في مدرسة أبعد كونها تتبع المنطقة الإدارية التي أعيش فيها، لكني اعتبر ذلك أمرا تافها بالمقارنة مع ما حدث لأحد الأشخاص الذين أعرفهم والذي نجح أخيرا في إيجاد شقة في منطقة أخرى، قالوا له في الجوب سنتر من المستحيل نقل ملفه إلى الجوب سنتر الجديد، وكان عليه عندها أن يقوم بالحصول على أوراق جديدة خاصة بالجوب سنتر!!.. لن تدركوا ماذا يعني هذا إلا إذا قمتم بهذا بأنفسكم!!. لا أعرف ما الذي يمنع أن يتم نقل ملف اللاجئ ببساطة إلى الجوب سنتر الجديد بدلا من معاقبة اللاجئ الذي لا يتقن الألمانية ولا يجيد التنقل وإجباره على استصدار اوراق جديدة؟.

عودة إلى أصدقائي الألمان، فقد قالت لي صديقتي أنه بعد انقضاء ستة سنوات على تاريخ الوثائق يكون بمقدورك التخلص منها وعلى ذلك فهي تستعد بعد أشهر من أجل اتلاف عدد كبير من المصنفات الورقية التي ضاقت بها شقتها الصغيرة، تتحدث عن ذلك اليوم وكأنها سوف تحتفل فيه بعيد ميلاد أحد أفراد عائلتها أو كأنها سوف تتخلص من مرض خبيث يطبق على نفسها. أنا سعيد من أجلها ولكن على الأغلب فرحتها لن تدوم طويلاً، فبعد أن تتخلص من أوراقها القديمة، سوف تفتح صندوق البريد الخاص بها لتجد العديد من المراسلات الجديدة وستقوم بوضعها في نفس المصنفات التي أفرغتها مؤخرا!!..

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!