مقال رأي: لماذا تعد السيارات مهمة هكذا بالنسبة للسوريين – يحيى الأوس لـ”زوددويتشه تسايتونغ”

  • 6 يونيو، 2017
مقال رأي: لماذا تعد السيارات مهمة هكذا بالنسبة للسوريين – يحيى الأوس لـ”زوددويتشه تسايتونغ”

من الطبيعي رؤية اللاجئين السوريين في مدارس تعليم اللغة الألمانية بكثرة، لكنها ليست المدارس الوحيدة التي يمكنك مشاهدتهم فيها، إذ يمكنك مشاهدتهم أيضا في مدارس تعليم قيادة السيارات، خاصة المدارس التي توفر تعليما باللغة العربية بعد أن أصبح من الممكن التقدم للامتحان بالعربية. الكثير من السوريين ينتظرون بفارغ الصبر الحصول على رخصة قيادة لكي يتمكنوا من اقتناء سيارات طالما حلموا باقتنائها في سوريا، ومنهم من ينتظر الحصول على رخصة قيادة أملا في أن تساعده على العمل في مجال التجارة بالسيارات المستعملة، المهنة التي لا تحتاج إلى مؤهلات كثيرة.

للسوريين مع السيارات حكاية طويلة، ذلك أن امتلاك سيارة في سوريا لم يكن امرأ سهلاً بالنظر إلى الأسعار المرتفعة للسيارات مقارنة بالدخول المنخفضة، كما أن المرتبة الاجتماعية المحترمة والحياة المرفهة هناك لا تكتمل دون أن تمتلك سيارة، أنها لا تقل أهمية عن امتلاك منزل بالنسبة إلى الكثيرين.

لا أعرف بالضبط ماذا تعني السيارة بالنسبة إلى المواطن الألماني هنا، لكن صديق ألماني قال لي إن هذا ربما كان موجودا هنا في ألمانيا قبل عقود من الزمن لكنه اليوم لم يعد مهما بالنسبة للكثير من الألمان، شخصياً أعرف اشخاص اثرياء يركبون سيارات رخيصة جدا لأنهم يعتبرونها مجرد وسيلة نقل، ولا أبالغ إذا ما قلت أن أفخم السيارات التي رأيتها هنا كان يقودها أتراك وليس ألمان، ناهيك عن الشبان الألمان الذين يهتمون بدراجاتهم النارية أكثر من أي شيء آخر، “أحيانا أكثر من أفراد أسرهم!. الكثير من أصدقائي الألمان تعني لهم الدراجة العادية أكثر مما تعني لهم السيارة، لكنها ليست حال الناس في بلادي فالدراجات الهوائية هناك رخيصة جدا مقارنة بالسيارة ومع ذلك لا يركبها إلا عدد قليل من الناس، لم يسبق لي أن رأيت موظف كبير يركب دراجة هوائية في بلدي، فمن يركب الدراجات الهوائية هم من لا يستطيعون شراء سيارة عادة أي الفقراء أو أبناء الطبقة المتوسطة، مع ذلك لا يتردد الكثير من هؤلاء في نشر صور لزعماء في أوروبا يذهبون بالدراجات إلى أماكن عملهم بالدراجات ويقارنونها بصور رؤسائنا الذين يتنقلون في مواكب مهيبة وسيارات مقاومة للرصاص، ولكن رغم هذا لا يقوم أي منهم بالذهاب إلى عمله بالدراجة الهوائية.

في الثمانينات أرادت الدولة احتكار تجارة السيارات فأصدرت قرارا عجيبا يمنع المواطنين من بيع سياراتهم الشخصية إلا للدولة، حتى الأشقاء لم يكن يسمح لهم بشراء السيارات من بعضهم البعض، الاستثناء الوحيد كان أن يسمح بنقل الملكية للأبناء والآباء والزوجات، وعلى ذلك نشأت طبقة من النساء اللواتي يعملن كزوجات مؤقتات بحيث تقوم السيدة بعقد قرانها من الشخص مالك السيارة كي يتمكن من نقل ملكية السيارة لها، ثم يطلقها وبعد ذلك تقوم بالزواج من الشخص الذي يرغب في شراء السيارة كي تتمكن من نقل ملكية السيارة له. معظم هؤلاء السيدات كن ممن يمتهن الدعارة وقد وجدن فرصة في كسب المال من العمل بطريقة أخرى وأسهل ربما، المضحك في المسألة هو أن المسيحيين والطوائف التي تمنع تعدد الزوجات لم تتمكن من الاستفادة من هذه الطريقة!!. ولم تنتهي المشكلة إلا بعد أن أدركت الحكومة غباء مثل هذا القرار وقامت بتعطيله.

في هذه المرحلة بالذات البلد كان قد تحول إلى ما يشبه متحف للسيارات القديمة، فقد كان يلمح في شوارع دمشق سيارات تعود إلى القرن الخامس عشر ” بالتأكيد فإن السيارات لم تكن قد اكتشفت وقتها، ولكن هذا ما كان يتندر به السوريين”. وكان ما يزيد الأمر سوءا هو ان السوريين كانوا يرون مسؤولي الدولة والوزراء وضباط الجيش الكبار يركبون أحدث أنواع السيارات وأغلاها في العالم بينما كانوا هم يعجزون عن شراء دراجة هوائية.

وفي مطلع التسعينيات فتحت الدولة باب الاستيراد بعد أن فرضت عليها ضرائب مرتفعة جدا، سمحت للمواطنين بشراء السيارات وسمحت للبنوك بتمويل شراء السيارات، السوريين البسطاء لم يصدقوا ان هذه قد يكون حقيقيا وأن السيارة الحلم بات في متناول الأيادي، آلاف المواطنين قاموا ببيع المصوغات الذهبية الخاصة لنسائهم، رهنوا بيوتهم للبنوك وامتلكوا سيارات، لا شيء آنذاك يمكن أن يساوي امتلاك سيارة حديثة، بعض السوريين باعوا منازلهم واشتروا سيارات بثمنها وعندما بدأت الضباب بالانقشاع اكتشفوا بأنهم صاروا عبيدا للبنوك.. ولكن هذه المرة عبيدا يركبون سيارات حديثة.

في إحدى شوارع مدينة حمص في بداية الثورة قامت إحدى الدبابات بمعاقبة سكان الحي الثائر ضد النظام بأن قامت بالسير فوق صف من السيارات المركونة في الحي من أوله لآخره ..كان منظر السيارات التي التصقت بالأرض يشبه أن تضرب قطعة من الجبن بمطرقة حديدية، قابلت أحد الأشخاص الذين فقدوا سياراتهم في هذه الحادثة بعد سنوات كان لا يزال يشعر الغضب والحسرة على سيارته التي سحقت تحت جنزير الدبابة آنذاك، قال لي لقد كان عقابا شديدا بالنسبة لنا وقتها، هم فعلوا ذلك لإنهم يعرفون ماذا تعني السيارة بالنسبة إلى السوريين.

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!