بلدة إيطالية صغيرة تجد في اللاجئين السوريين فرصة في إنقاذها من خلوها من السكان وتحسين اقتصادها

  • 5 مايو، 2017
بلدة إيطالية صغيرة تجد في اللاجئين السوريين فرصة في إنقاذها من خلوها من السكان وتحسين اقتصادها

من مطبخ شقتهم الجديدة يشاهد محمد علي و كيندا نونو يشاهدون أطفالهم يركضون عبر شرفة موجودة على السطح المطل على التلال الخضراء في جنوب إيطاليا، حيث يمكنهم رؤية جزء لامع من البحر الأبيض المتوسط الواقع على مسافة أربعة اميال.
وكان هدوء المشهد يشكل تغييراً ملحوظاً عن الوضع في حلب التي مزقتها الحرب في سوريا، التي هرب علي وعائلته منها منذ ما يقارب خمس سنوات والوضع الفوضوي الذي وجدوه في لبنان بعد ذلك.
وعلى عكس لبنان، حيث يقدر عدد اللاجئين السوريين فيها بمليون ونصف، وحيث ينظر على أنها يستحوذون على الوظائف على حساب السكان المحليين فأن قادة المجتمع الايطالي يعلقون آمالهم على اللاجئين في المساعدة في إعادة بناء اقتصاد البلاد.
ووصلت العائلة الحلبية إلى مقاطعة ريغيو كالبيريا الجنوبية وهي منطقة تخلى الشباب الإيطاليون عنها إلى حد كبير بحثا عن فرص اقتصادية أفضل في الشمال وخارج البلاد،تاركين خلفهم مدارس مغلقة وحقول بائرة، ففي المبنى المكون من أربع طوابق الذي تسكن الأسرة السورية الآن، ما زال الطابقان السفليان فارغان.
وخلال العقد الماضي، بدأت تدفق المهاجرين واللاجئين يحل محل الإيطاليين الذين غادروا البلاد. فمن العام 2008 إلى عام 2013 تضاعف تقريبا نسبة العمال المهاجرين الأجانب في قطاع المزارع الإيطالية إلى 37 ٪ ارتفاعاً عن 19 ٪ وفقا للمعهد الوطني للاقتصاد الزراعي.
وجذبت بلدة رياتشي، حيث استقر علي وعائلته عندما وصلوا لأول مرة في إيطاليا، الاهتمام الدولي في السنوات الأخيرة ببذلها جهداً هادفاً لجذب المهاجرين من جميع أنحاء العالم. وقال العمدة دومنيكو لوغانو إن المهاجرين القادمين من أكثر من 20 دولة يشكلون حاليا ثلث سكان البلدة البالغ عددهم 1,500 نسمة.

رحلة أكثر أمناً

وقد وصل الزوجان وأطفالهما الخمسة إلى إيطاليا في أواخر شباط الماضي من خلال برنامج الممرات الانسانية الذي أطلقته قبل عام مجموعة من المنظمات غير الحكومية التابعة للكنيسة الكاثولكية وتحالف من الكنائس البروتستانتية.
هذا المشروع الذي يتم تمويله عبر ضرائب المواطنين الإيطاليين المخصصة للكنائس، جلب حوالي 800 لاجئ سوري من لبنان إلى جميع أنحاء إيطاليا منذ شباط 2016. وسيجلب 200 لاجئ آخر من لبنان وربما المغرب، إلى جانب حوالي 500 أفريقي يعيشون الآن في أثيوبيا.
يعبر العديد من الوافدين الجدد البحرالأبيض المتوسط على قوارب المهربين والكثير لا ينجون من رحلة العبور هذه. إذ ذكرت وكالة الأمم المتحدة للاجئين أن أكثر من 5 آلاف ماتوا في العام الماضي في البحر المتوسط. وقال باولو ناسو من اتحاد الكنائس البروتستانتية في إيطاليا، و أحد مهندسي البرنامج إن الهدف الرئيسي لمشروع الممرات الانسانية الجديدة  كان منع اللاجئين من محاولة عبور البحر الخطيرة.
بموجب المبادرة الجديدة تقوم منظمات الكنيسة بنقل اللاجئين إلى روما في البداية ثم تأخذهم إلى منازلهم الجديدة في المجتمعات في جميع أنحاء البلاد.
يأمل “ناسو” وآخرين في تمكن الجيل الجديد من العمال القادمين من الخارج، من المساعدة في تعويض القوى العاملة المتقلصة في البلاد، فيما إذا أمكن دمجهم في المجتمع الإيطالي. وقال إن سكاننا يتقدمون في السن ويتناقصون وإن التضاؤل شديد جدا وخاصة في المناطق الريفية.
واستقبلت إيطاليا أقل من 1,000لاجئ من خلال برنامج إعادة التوطين الرسمي التابع للإمم المتحدة منذ عام 2015، لكنها شهدت وصول أعداد أكبر بكثير في قوارب المهربين.
وقوبل الوافدون بتنامي المشاعر المعادية للمهاجرين، وفي العام الماضي وضع سكان مدينة غورنيو المركزية المتاريس لمنع وصول مجموعة صغيرة من اللاجئات. لكن المهاجرين واللاجئين لديهم أيضا شخصية تدافع عنهم تحظى بتأثير ألا وهي البابا فرنسيس الذي جلب عددا قليلا من اللاجئين السوريين إلى الفاتيكان وحث رعايا الكاثوليك على استقبال المزيد.
في رياسي، يأتي المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء وباكستان وأفغانستان وبنغلادش والآن سوريا. يقوم المهاجرون برعي الأغنام في التلال المتدحرجة المحيطة بالمدينة ويقودون الجرارات على الطريق المتعرج المؤدي إليها، ومسح الشوارع في ساحة البلدة والعمل جنبا إلى جنب مع السكان الإيطاليين في حفنة من المحلات التجارية الحرفية في وسط البلدة.

بديل إنساني

وقال رئيس البلدية في مقابلة إنهم يقترحون بديلا إنسانياً، مضيفاً أنه “هذه هي الرسالة التي نرسلها إلى هذا العالم الذي يسوده الانغلاق وتشييد الحواجز”.
وبعد الظهيرة جلس غابرييل ايفاه، وهو غاني جاء بقارب للمهربين من لبيبا قبل ثمانية أشهر، على مقعد خارج حديقة البلدة يتحدث مع صديق، عندما مرت قربهما مجموعة من المراهقين الإفريقين الوافدين حديثاً متوجهين إلى مركز البلدة.
قال ايفاه:” بامبينوس”، مستخدما اللغة الإيطالية التي تعلمها حديثاً، يضيف:”يأتي الناس كل يوم”.
وكانت الغانية ستيلا أيوني، ٣٠ عاماً، تركت ابنها الصغير مع أقاربها وقامت بالرحلة البحرية قبل ثلاث سنوات. بعد أن رسى القارب في جزيرة  لامبدوزا، جلبتها الشرطة إلى رياتشي. وعندما وصلت أول مرة مسحت الشوارع ثم ساعدت في الاشراف على الأطفال في المدرسة المحلية حتى أغلقت بسبب عدم وجود عدد كاف من الملتحقين، وهي تطبخ الآن للقاصرات الغير مصحوبين بذويهم الذين يعيشون كمجموعة في بيت.
تقول إم الحياة في رياتشي جيدة جداً بالنسبة لها، موضحة أن سكانها يتعاملون مع المهاجرين و كأنهم إيطاليون.
وقال  لوغانو إن حوالي 100 من المهاجرين في  رياتشي مستقرون فيها كمقيمين لفترة طويلة، وأن آخرين مثل الأسر السورية الوافدة حديثا فيجدون الوضع أقل ترحيبا وينتقلون.

دموع الفرح
عندما قام علي ونونو بإفراغ أمتعتهما في المطار ببيروت استعدادا لسفرهما إلى إيطاليا، انهمرت دموع ابنتهما ميس البالغة من العمر 15 عاما، تعبيراً عن فرحها وارتياحها.
في حلب شاهدت ميس عمتها وخمسة من أبناء العمومة يموتون في ضربة جوية في الطابق السفلي لشقة العائلة. هرب علي وعائلته إلى لبنان هربا من القنابل ولكن ليس هذا كل أشكال العنف التي يمكن أن يتعرضوا له. إذ يحمل علي أخ ميس البالغ من العمر 14 عاما  ندبة في أسفل واحدة من ركبته إثر هجوم سكين من قبل مجموعة من الأولاد الأكبر سناً. وقال نونو إن الشبان ينتمون الى حزب الله، الحزب الشيعي والمسلحين الشيعة الذين يدعمون نظام بشار الأسد ويرون اللاجئين كأعداء. تقول إنه “لم يكن هناك آمان أبدا أبدا”، مضيفة أنه “حتى لو أردنا الخروج لرؤية الطبيب، كنا نحاول التأكد أن لا أحد يرانا. هنا، أول شيء تحسن هو الأمان”.

ولكن في نواح أخرى، كان الانتقال صعبا. إذ أن قلة من من المهاجرين الآخرين في رياتشي يتحدث باللغة العربية ولم تتفق الأسرة مع الأثيوبيين الذين عملا كمترجمين ومعاونيين مع السلطات المحلية. وبعد شهر قضوه في رياتشي، طلب علي وأسرته نقلهم إلى بلدة جيويوسا يونيكا المجاورة، حيث أنضموا إلى أسرة سورية أخرى.

وفي جيويوسا يونيكا هناك عدد قليل من المهاجرين، حوالي 100من بين 7000 نسمة ولكن بعض القادة المحليين يأملون في جذب المزيد. يأمل ماوريزيو تزافاغيليا، رئيس مجلس المدينة أن تساعد الأسر السورية والمهاجرين الآخرين في إحياء الزراعة المحلية واجتذاب السياح الذين يبحثون عن مأؤى هادئ وسط الكروم وبساتين الزيتون.
ويقول إنه في السابق جاء الناس إلى هناك وبقيوا لوقت قصير لأنه وبعد فترة من الوقت رأوا حال المنطقة وأنهم ليسوا أغنياء جدا ومعدل البطالة مرتفع، وبعد فترة ذهبوا بعضخم إلى المانيا و سويسرا، مبيناً أن التحدي مع هذه العائلات هو منحهم شعورا بالاستقرار وديمومة أطول.

رأسي يؤلمني

في جيويوسا يونيكا، قال علي ونونو إن الناس كانوا لطيفين ولكن الأسرة لاتزال تشعر بالعزلة وأصبح حاجز اللغة مشكلة إضافية في الوقت الذي تعاني ميس من مشكلة طبية محيرة. ففي رياتشي بدأت في الشكوى من الصداع الشديد المستمر والدوار وفي نهاية المطاف تمكنت الأسرة من نقلها إلى المستشفى حيث أعطاها الطبيب دواء لكن لم يساعدها.
بعد أسبوع من  الانتقال إلى جيويوسا يونيكا أنهارت ميس في الردهة في الظهيرة وهي تصرخ رأسي يؤلمني.
وكانت تزافاغليا وصديق إيطالي آخر متواجدين صدفة، فدعا الإيطاليان المسعفين الذين نقلوا الفتاة الى المستشفى في بلدة أخرى. وعادت العائلة إلى منزلها بعد عدة ساعات بإحالتها إلى مستشفى آخر ولم يعرفوا سبب المشكلة.
وفي اليوم التالي، وفيما كان الأطفال يلعبون على الشرفة بعد العشاء تحدث علي ونونو بقلق عن صعوبة الحصول على الرعاية الطبية في المنطقة النائية وبلغة أخرى، وعن إمكانية العثور على عمل من شأنه أن يعيلهم حال توقفهم عن تلقي مبلغ الإعانة الصغير الذي كانوا يحصلوا عليه.
و كان علي يدير مطعماً ومخبزاً في سوريا وكان يأمل ءن يفعل الشيء نفسه في إيطاليا ولكن من دون المال الكافي والتحدث بالإيطالية يبدو أنه احتمال بعيد المنال.
وقالت نونو: “يمكننا العمل ولكن بدون لغة يصعب علينا ذلك. نحن نحب إيطاليا والشعب الإيطالي واللغة ولكن إذا أعطونا أجور منخفضة لا أدري”. وتسائل علي: هل يمكنهم الذهاب إلى كندا أو ألمانيا عوضاً عن ذلك.
لكن الأطفال كانوا سعداء بموطنهم الجديد. ففي لبنان لم يذهبوا إلى المدرسة في معظم السنوات الخمس الماضية والآن بعد بضعة أسابيع من الدروس الإيطالية تعلموا الأرقام والأشهر وأسماء الفواكه والخضار وكانوا متحمسين للبدء في الالتحاق بالمدرسة العامة المحلية.
قال الطفل علي:”هنا أفضل بكثير”، مضيفاً:”هنا يوجد أمل”.
مر رجل مغربي قرب الصبي و أحد أخوته الأصغر سناً عندما كانا خارج منزل أحد الجيران بعد الظهر، فتوقف وسأل بالعربية: “هل أنتم عرب؟”. قال علي “نعم”، وأنهم من سوريا.

فقال الرجل “الحمد لله على سلامتك”، وابتسم فيما واصل سيرة إلى شارع فارغ على الجهة المعاكسة.

(ترجمة دير تلغراف عن لوس أنجلوس تايمز- الفيديو لتقرير سابق لشبكة “بي بي أس” الأمريكية عن البلدة)

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph