مقال رأي: ” خلاط الاندماج” .. الاندماج هو قرار شخصي – يحيى الأوس

  • 19 أبريل، 2017
مقال رأي: ” خلاط الاندماج” .. الاندماج هو قرار شخصي – يحيى الأوس

اللاجئ الصالح هو اللاجئ الذي لا تغيب عن تفكيره مسألة الاندماج، شخصيا فإن تجربتي مع الاندماج تدفعني لذكر بعض النصائح المفيدة للاجئين، في الصباح من المستحسن أن تبدأ بنهارك بقول صباح الاندماج، وخلال اليوم يجب أن تذكر نفسك دوما بالقول: أنا مندمج بشكل جيد جدا، وقبل النوم لابد من القول أنا أحب الاندماج ثلاث مرات تفاديا لأية أحلام مزعجة.
تقلقني مسألة الاندماج إلى درجة أن عقلي يواصل التفكير فيها خلال النوم، أحيانا تستمر على شكل أحلام لطيفة وأحيانا تنتهي بكوابيس كالحلم الذي سأرويه لكم الآن. حلمت مؤخرا بآلة غريبة على شكل خلاط عملاق خاص بالاندماج، كان اللاجئون يصطفون خلف بعضهم في أرتال طويلة، أفارقة، آسيويين، سوريين وأفغان، ثم يقومون بالدخول عبر باب الماكينة الضخمة التي يعلوها العلم الألماني، فتبدأ بالدوران والدوران حتى يخرجوا من الباب الأخرى على هيئة مواطنين ألمان يشبهون بعضهم البعض، بعد ذلك تتقدم مجموعة جديدة من الخلاط وهكذا.

كنت أرى بعض اللاجئين في الحلم يدخلون بحماسة والإبتسامة تعلو وجوههم، وكان آخرون يتقدمون بخطوات مترددة، البعض كانت تظهر علامات الخوف على وجوههم، أما بالنسبة للأطفال فكانوا لا يكترثون للأمر.

إلى هنا كان ما يجري في الحلم طبيعيا، إلى أن وصل بعض اللاجئين من مثيري المتاعب، هؤلاء كانوا يرفضون الدخول إلى الخلاط، وكانوا يحاولون الهرب، لكن الشرطة السرية الذين كانوا يلبسون نفس الزي الذي يلبسه رجال الأمن في الجوب سنتر (وكالة العمل)، كانوا يقومون بالإمساك بهم و رميهم في الخلاط بقسوة. استيقظت من الحلم مذعورا، توجهت نحو البراد كي أشرب الماء فوجدت فيه الكثير من النقانق و الخردل، أقفلت البراد، شربت ما تبقى من قنينة البيرة التي لم أنهيها في الليلة السابقة، وبدأت أفكر بهذا الحلم الغريب.

أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهني، لكني لن أتحدث هنا عن اللاجئين الذين دخلوا إلى الخلاط العملاق، بل فقط عن المجموعة التي حاول أفرادها الفرار منه، وأعني هنا الفئة من اللاجئين الذي لا يريدون الاندماج. أليس من حق هؤلاء أن يرفضوا دخول الخلاط العملاق؟ أليس من حقهم أن ينالوا نفس الحقوق والمخصصات المالية والميزات التي تمنح لمن قرروا المضي في عملية الاندماج؟ أليس من حقهم أن يقولوا أننا لا نريد أن نندمج دون أن يمارس عليهم موظفو الجوب سنتر عمليات التهديد والضغط النفسي المستمر والتلويح بالخصم والعقوبة وسواها إذا امتنعوا عن تعلم اللغة او البحث عن عمل؟. ألا تقضي القوانين الدولية بحماية هؤلاء دون شروط؟.

في الواقع لا يمكن إعطاء رقم أو نسبة حول أعداد اللاجئين الذين يعتبرون ألمانيا وطناً مؤقتاً بالنسبة لهم، لكن من المؤكد أن الكثير منهم ينتظرون أن تسمح الظروف بعودتهم إلى بلادهم الأصلية، ذلك أن موضوع البقاء أو العودة لم يحسم بالنسبة للكثير من العائلات، وعلى الغالب هناك مواقف متباينة وحوار مستمر حول الأمر ضمن معظم عائلات اللاجئين. ذلك أن هذا مرتبط بعملية الاندماج التي تختلف من عائلة إلى أخرى وتختلف أيضاً بين أفراد العائلة نفسها. شخصياً وعلى الرغم من اعتقادي بأنني على درجة متقدمة من الاندماج، غير أني أنتظر بلهفة اللحظة التي يمكنني فيها العودة إلى بلدي، بالتأكيد هذا القرار قد لا يشمل باقي أفراد أسرتي.

توجه إلى اللاجئين في مناسبات عديدة أسئلة على غرار، ألن تعودوا يوما ما إلى بلادكم؟ أو مثل، ألا تريدون المشاركة في إعادة بناء بلدكم الذي دمرته الحرب؟. في الواقع تبدو هذا الأسئلة بريئة في ظاهرها، لكن باطنها يحمل الكثير من المخاوف لدى أصحابها، وغالبا ما يمكنك التمييز بين الأشخاص الذين يسألون هذه الأسئلة لأنهم يكترثون لبلادنا وبين من يسألون هذه الأسئلة بدافع الخوف على بلادهم.

بالتأكيد لن يشعر من يريدون العودة بالحرج من الإجابة على مثل هذه الأسئلة، لأن جوابهم سوف يكون واضحا، لكن الأمر مختلف مع الشبان الذين مروا بتجارب الحرب والبطالة وهشاشة نظام التعليم في بلادهم لأن هؤلاء لا يفكرون بالعودة على الأرجح، لذلك سيكون جوابهم على هذا النوع من الأسئلة بأنهم قد يعودوا ولكن بعد أن يتعلموا في الجامعات الألمانية ويستفيدوا من التجربة الألمانية في إعادة إعمار بلادهم، بالتأكيد الاستفادة من التجربة الألمانية لا يشمل الاستعانة بالأتراك للمساعدة في إعادة بناء بلادنا كما حصل هنا بعد الحرب العالمية الثانية، ليس فقط لأن الأتراك لم يتحولوا إلى متعهدين بناء للبلدان المدمرة، ولكن لأن سوريا بلد فقير، ولأننا إذا لم نقم نحن بإعادة إعماره بأيدينا فلن يعمره لنا الآخرون.

في الوقت الذي قطعت عائلات كثيرة مرحلة هامة نحو الاندماج في المجتمع الألماني عاد الكثير من اللاجئين إلى بلادهم وريثما تسنح الفرصة للاجئين الهاربين من خلاط الاندماج من أجل العودة، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الاندماج بالنسبة لهؤلاء لا يعني شيئا، وأن أية قرارات أو جهود حكومية لن تؤثر في موقفهم من الاندماج لأنه في النهاية قرار ذاتي.

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!