مقال رأي: علاقتنا نحن العرب مع القراءة مثل علاقتنا برياضة الرقص الفني على الجليد.. نسمع عنها ولا نمارسها – يحيى الأوس

  • 16 مارس، 2017
مقال رأي: علاقتنا نحن العرب مع القراءة مثل علاقتنا برياضة الرقص الفني على الجليد.. نسمع عنها ولا نمارسها – يحيى الأوس

رأيت فوق أحد الأرصفة في برلين كشكا صغيرا يحتوي على عدد غير قليل من الكتب، بحثت عن الشخص المفترض أنه المشرف على الكشك فقد كنت أرغب في أن أساله ما إذا كانت هناك أية كتب باللغة العربية أو الانكليزية، ولكن أحدا لم يكن هناك، بعد لحظات ترجلت فتاة عن دراجتها بالقرب منه، دخلت إلى الكشك الصغير وضعت كتابين على أحد الرفوف ثم غادرت. كان من الواضح أن الكشك مكتبة عمومية مجانية يقوم الناس بتزويدها بكتبهم الشخصية كي يتيحوا المجال للآخرين من أجل قراءتها وقد علمت لا حقا أن هناك العديد منها في شوارع العاصمة برلين.

طوال سنوات عمري كنت أسمع بشعار القراءة للجميع لكنها المرة الأولى التي أشعر فيها بأن هذا الشعار يمكن أن يكون صادقا ولو لمرة واحدة، صورة الناس يترددون على الكشك الجميل ذكرني بمناهل الماء المنتشرة في شوارع دمشق القديمة، يشرب منها الناس أيام الحر ثم يتركونها بسلام فيأتي الأخرون إليها لتروي عطشهم. ذكرى مؤلمة لدمشق العطشى هذه الأيام.

في الحقيقة لا أذيع سرا عندما أقول إن علاقتنا نحن العرب مع القراءة تشبه علاقتنا برياضة الرقص الفني على الجليد، نسمع عنها ولكننا لا نمارسها، فمن النادر أن تجد هنا في برلين لاجئا في القطار أو الباص يقرأ في كتاب كما يفعل الألمان، بينما ترى ببساطة عشرات اللاجئين الآخرين غارقين في هواتفهم الذكية غالبا في برامج المحادثة أو في تطبيقات الأغاني أو الألعاب، بالتأكيد لست أنتقد هنا اللاجئين و لا أوافق على انتقادهم كونهم يحملون أجهزة هواتف ذكية، خاصة من قبل الذين يقتنون هواتف عادية وينسون أنهم يمتلكون نوعين أو ثلاثة على الأقل من أجهزة الكومبيوتر المحمول، فالهاتف الذكي بالنسبة للاجئ هو وسيلة التواصل مع الأهل ومصدر الأخبار الأول ومستودع الذكريات، أنا انتقد هنا ابتعادهم عن القراءة وأتمنى أن أتمكن يوما من الدفاع عنهم بالقول أنهم يستخدمون أجهزة الموبايل الذكية في قراءة الكتب الإلكترونية أيضا وليس من أجل المحادثة فقط.

تتكرر المواقف التي تظهر اهتمام الألمان بالقراءة، خاصة في وسائل النقل التي تعتبر بالنسبة للكثير منهم وقت ضائع يجب استغلاله، الكثيرون يقرأون الصحف في طريقهم إلى العمل، وآخرون لا يفارق الكتاب حقائبهم، تماما كما لا تفارق حقائب اللاجئات واللاجئين أدوات المكياج وعلب السجائر.

كثيرا ما أشاهد شبانا أو فتيات ألمانيات يصعدن إلى قطارات الأنفاق وقبل ان يستقروا في مكانهم يخرجون كتابا ويبدؤون في القراءة، المميز في الأمر أنهم قد يتركوا القطار بعد محطتين أو ثلاثة فقط، في حين أن العديد من الشبان اللاجئين يمضون ساعات يومياً خلال عملية تنقلهم في قطارات الأنفاق، لا يفعلون سوى أنهم يضحكون ببلاهة أو يتشاجرون مع أصدقائهم عبر برامج المحادثة.

في طريقي إلى مدرسة اللغة كنت أشاهد يوميا في القطار فتاة ألمانية تقرا في كتاب، كانت ما أن تبدأ في القراءة حتى تغرق كلياً مع كتابها وكأنها وحيدة في القطار، كطالب لغة مبتدئ يحاول ترجمة كل الكلمات التي تقع عليها عينه، ترجمت عنوان الكتاب وكان عنوانه “انتصار الأقزام”، أحببت العنوان وعلق في رأسي، كنت متشوقا لمعرفة مضمون الرواية وأحداثها، وكنت أشعر بنفسي كما لو أنني اقرأ الرواية معها كل صباح رغم أنني لا أعرف شيئا عن مضمونها حتى الآن. قبل أيام قليلة من انتهاء دورة اللغة، رأيت الفتاة مرة أخيرة جلست في المقعد المواجه لي، انتظرتها حتى تخرج الكتاب من حقيبتها، لكنها أخرجت كتابا آخراً، كنت أعرف انها كانت على وشك الانتهاء من انتصار الأقزام، تمنيت لو أني سالتها عن رأيها في الكتاب لكني لم امتلك الجرأة ولا اللغة لفعل ذلك، تخيلت الكتاب الآن فوق أحد الرفوف واستعدت شعور الغبطة التي تصيب القارئ عندما ينهي كتابا ويبدأ بالبحث عن كتاب جديد.

عودة إلى الكشك المكتبة، أبهرتني التجربة على بساطتها وحلمت بأن أرى يوما ما في كل شارع من شوارع دمشق كشكا مشابها إلى جانب مناهل المياه الباردة، وإلى أن يصبح الحلم حقيقة، فأنا أمتلك نحو ثلاثين كتابا باللغة العربية تمكنت من إحضارها إلى هنا بمساعدة صديقة المانية وأنا على استعداد كي أضعها في كشك مشابه، لن أصاب بالخيبة إذا ما اختفت في اليوم التالي كلها وإلى الأبد، لكني أعتقد أن الأمر يستحق المحاولة.

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!