مقال رأي: نحن أيضا نحتفي برجل الثلج في سوريا ! – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 18 فبراير، 2017
مقال رأي: نحن أيضا نحتفي برجل الثلج في سوريا ! – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

لا أذكر منذ وصولي إلى ألمانيا عدد المرات التي وجدت نفسي فيها مضطرا للإجابة على الأسئلة التقليدية المتعلقة بصورة ألمانيا والألمان في عيون الأجانب، مثل ما هي الأفكار التي كنتم تحملونها عن ألمانيا قبل ان تصلوا إليها؟. وهل تطابقت صورة ألمانيا في مخيلتكم مع الواقع؟. ما هي الأشياء التي أحببتموها هنا و ما هي أكثر الأشياء الصادمة التي وجدتموها هنا في المانيا؟.

بالطبع كان يختلف جوابي في كل مرة عن سابقتها، خاصة مع مرور الوقت واكتساب المزيد من الخبرات والمعارف، ومع الانتباه إلى أهمية هذا النوع من الأسئلة بالنسبة إلى الألمان، تجد نفسك مضطرا للبحث عن أشياء صادمة، وعندما لا تكون صادمة جدا، ينبغي عليك أن تضخمها قليلا كي تبدو صادمة، فمن غير المعقول بنظر الكثيرين منهم أن تكون إجابتك مثلا، أنك لم تفكر بالأمر وأنه لا يوجد لديك تصور مسبق ومحدد عن الشعب الألماني، أو أنك لم تصاب بالصدمة ابدا، فهذا سوف يجعل منك شخص ممل ويفتقر إلى الخيال، وربما قد يشعرهم هذا بالإهانة.

كثير من اللاجئين ترتبط صورة ألمانيا في مخيلتهم بصورة الزعيم النازي هتلر، ومنهم من لا يقدر على تخيل ألمانيا دون Mercedes و BMW، وصنابير Grohe، وآخرون وقعوا بعشق الأمة الألمانية بسبب كرة القدم وأنا واحد منهم فقد أوقعتني قدم لوثر ماثيوس عندما سجل هدف ألمانيا ضد يوغوسلافيا في العام 1990 في حب ألمانيا، لكن هذا لا يلغي أن كثيرين ممن أتوا لم يعرفوا عن ألمانيا سوى أنها كانت الدولة الأفضل بالنسبة للاجئين، وهناك من اكتشف بأن فرانكفورت هي مدينة ألمانية وليست أميركية بعد أن وصل إليها، وأن مدينة هامبورغ ليس لها علاقة بسندويش الهامبرغر!.

تتفاوت رغبة الشعوب في معرفة صورتها في عيون الشعوب الأخرى، الكثير من الأمريكيين مثلاً يعتقدون أن نمط حياتهم هو نموذج لباقي الدول ويتحرقون لمعرفة كيف تنظر لهم باقي الأمم، بينما لا تعطي شعوبا أخرى أي اهتمام لهذه المسألة كاليابانيين مثلا، بالنسبة إلى ألمانيا يمكنني القول إن هناك شغف كبير للتعرف على صورتهم في عيون الآخرين وربما يصل حد النرجسية أو النرجسية القومية. لكن هل هناك شغفا مماثلا لدى الألمان للتعرف على بلاد الآخرين؟.

في البداية كنت أفترض أن الألمان يعرفون الكثير عن بلادنا، يعرفون عن الجغرافيا والمناخ والتنوع الطائفي والكثير من المعلومات العامة، لكني وللأسف اكتشفت أن سورية هي بلد شبه مجهول بالنسبة لغالبية الشعب الألماني، ولولا وقوع الحرب فيها، لم يكن أحدا ليهتم بسوريا او يعرف عنها شيئا… بالفعل هذا كان أحد الأشياء الصادمة بالنسبة لي هنا.

وهنا أنا بصدد ذكر بعض الحقائق الصادمة عن سوريا.

عندما نسعل نضع أيدينا على أفواهنا، وندعو للسيدات كي يدخلوا قبلنا دائماً، نتعلم اللغة الإنكليزية في مدارسنا، ويعزف أطفالنا على الكمان والأوبوا والترومبيت أيضا. في الشتاء تسقط الثلوج على مدننا على الأقل مرة أو مرتين ويقوم أطفالنا بعمل رجل الثلج يلبسونه الوشاح ويضعون الجزر كأنف له، بمعنى أننا لم نتعرف على الثلج في بلادكم كما يعتقد البعض منكم. لدينا بحر ونذهب لنمضي فيه إجازاتنا السنوية على الشواطئ، البعض منا يمارس هناك الغطس و هناك الكثير من النساء اللواتي يلبسن المايو على الشاطئ ويعملن البرونزاج.

لدينا معارض كتب دورية و مكتبات عامة نستخدم فيها نظام ديوي وتقرأ فيها الكثير من كتب فرويد وهيغل وكافكا وتولستوي وهيمنغواي وماريو بارغاس يوسا، نلعب الشطرنج والتخييم ورياضة المشي ونحتفل بعيد القديس فالاننتاين كل عام ونهدي الزهور والعطور للنساء.

نحب كرة القدم كثيرا، ونواكب حضور مباريات فرقنا المحلية رغم سوء إدائها، نلبس قمصانها ونغني لها تماما كما تغنون لبريمن وبايرن وهرتا برلين، غاباتنا كانت في الماضي شاسعة، لكنها للأسف باتت أصغر ومع ذلك فيها الخنازير والذئاب والقطط البرية.

الكنائس في بلادنا توجد بالقرب من الجوامع وهي تضاهيها جمالا لا بل أجمل منها، والمؤمنين يرتادونها دائما ومن مختلف الأديان، و أحد أكثر الذكريات المؤلمة في أذهان السوريين هي هجرة اليهود السوريين من بلادنا وشعورنا بأنهم لن يعودوا أبدا.

لا أعرف سبب كل هذا النقص في المعلومات عن بلدي سوريا هنا ولا أعرف لماذا لم يتمكن مئات وربما آلاف الطلاب الألمان الذين كانوا في سوريا غالبا من أجل تعلم اللغة العربية وإما من أجل إنجاز دراسات وأبحاث حول الأديان أو الاستشراق أو في مهام صحافية، لم يتمكنوا من نقل صورة أفضل عن بلادي؟. ولماذا لم يتمكن عشرات الكتاب والأكاديميين السوريين المقيمين في ألمانيا من التعريف بسورية كما يجب؟. ربما كانوا يحاولون كل الوقت لكن الألمان ما كانوا ليهتموا، ربما لأن البوصلة في ذلك الوقت لم تكن نحو الشرق (ربما لم يود الألمان سماعهم).

كتب الصحفي السوري يحيى الأوس، المقيم في برلين منذ العام ٢٠١٥، المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph