مقال رأي: سوق البراغيث هنا و سوق اللصوص في سوريا – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 24 نوفمبر، 2016
مقال رأي: سوق البراغيث هنا و سوق اللصوص في سوريا – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

في كل مرة أتحدث فيها عن سوق الأشياء المستعملة هنا أخطئ في التعبير واستخدم تعبير سوق اللصوص، فهذه التسمية هي ما يطلق على الأسواق المشابهة في سوريا، ذلك أن الكثير من الأشياء المسروقة كانت تظهر فيها دائما.
لكن هذه التسمية أوشكت على الانقراض واستبدلت بكلمة سوق الجمعة، لولا أن الجنود وأفراد الميليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام السوري أعادوا الاعتبار إلى اسم سوق الحرامية بعد أن ملأوا الاسواق بأصناف المفروشات المسروقة من بيوت سكان المناطق المعارضة.

تدهشني رؤية أشخاص ألمان يأتون بسياراتهم الفارهة إلى السوق، يفتحون باب السيارة الخلفي ويبدؤون بنشر أشيائهم على الطاولات الخشبية، أشياء يبيعونها بيورو أو اثنين وفي أحسن الأحوال عشرة يوريات، ثياب، أحذية، أجهزة كهربائية لوحات وتحفا فنية رائعة وأحيانا اشياء بسيطة كالبراغي او القصص القديمة يبدو انهم أصيبوا بالملل من اقتنائها. رأيت اشخاص تزداد أوزانهم في الشتاء فيبيعون ثيابهم الصيفية، وفي بداية الشتاء يبيعون ثيابهم الصيفية، ليشتروا غيرها في الصيف القادم، هذا أمر جيد بالنسبة لأصحاب الدخل المحدود فهذه الطريقة الوحيدة التي يتمكنون من خلالها من ارتداء ماركات عالمية مثل زارا وأديداس ونايكه، لا يهم ما إذا كانت قديمة قليلا.

اللاجئين هم الزبائن الأكثر حضورا في هذه الأسواق، منذ أن ازدادت أعداد اللاجئين بدأت هذه الأسواق تزدهر، وبدأ العديد من الألمان يرتادون أسواق الفلو ماركت ليس للتخلص من أشيائهم القديمة فقط، باعتقادي أيضا كنوع من التبرع، فبدلا من أن ترمي هذه الأشياء أو تضعها في مستوعبات الصليب الأحمر تقوم ببيعها بسعر رخيص جدا لمن هم بحاجة لها. اللاجئون الأكثر حظا هم الذين يكتشفون هذه الأسواق بعد فترة قصيرة على وصولهم إلى ألمانيا والأكثر حظاً هم الذين يقيمون قريبا منها. بالتأكيد يمكنك مشاهدة الكثير من الألمان يتجولون في هذه الأسواق للتجول هناك أو لشراء الكثير من الأشياء، يمكن تصنيفهم أغلبهم على أنهم من مدمني الفلو ماركت.

الكثير من الأشخاص قليلي الدخل وليس اللاجئين فقط يعتمدون على هذه الأسواق بشكل كبير، بالتأكيد لا يمكن الاعتماد عليها دائما فقد تتعرض في بعض الأحيان للخداع كان تشتري قطعة كهربائية منزلية على أنها بحالة جيدة لكنك تكتشف أنها غير صالحة للاستخدام، لكن في المقابل سوف تصاب بالصدمة عندما تتمكن من الحصول على مكنسة كهربائية أو طابعة كومبيوتر بسعر خمسة يورويات بينما يقدر ثمنها الحقيقي بـ 60 أو 70 يورو.

المفروشات في سوريا ليست سلع استهلاكية يمكن استبدالها كل سنة أو سنتين، يمضي المواطن السوري أعواما طويلة قبل أن يتمكن من استكمال فرش منزله، الألمان يزينون برادات منازلهم بوضع ألعاب على شكل فواكه أو خضار عليها والسوريين يضعون عليها صور أطفالهم تدليلا على أهميتها، قد تتمكن إن كنت محظوظا من تغيير ثلاجة منزلك مرتين في حياتك، لكن هذا لا ينطبق على غرفة النوم فعلى الغالب غرفة النوم التي تزوجت عليها سوف تموت عليها!. أذكر انني تمكنت من اقتناء غسالة اتوماتيكية بعد خمسة سنوات على زواجي، لذلك كنا نعاملها كما لو كانت أحد أفراد الأسرة. المصيبة هي أن آلاف العائلات السورية أمضت عمرها في تسديد القروض، واحد من أجل البراد وآخر من اجل الغسالة وثالث من أجل المكيف وفجأة جاءت الحرب وأخذت معها كل شيء.

أحد الأشياء الغريبة التي فاجئت اللاجئين هنا وجعلتهم يشعرون الرفاهية التي يعيشها المجتمع الألماني هي رؤية أشياء كانت غالية الثمن في سوريا مثل طقم كراسي خشبية بحالة جيدة أو غسالة او براد توضع أمام إحدى المنازل وعليها عبارة صالحة للاستعمال أو يمكنك اخذها إن كنت بحاجة إليها، أو تلك الإعلانات الغريبة لأشياء جميلة حقا يعرضها أصحابها على مواقع الانترنيت بالمجان!.

يشعر بعض اللاجئين بالحرج عندما يقابلون معارفهم في هذه الأسواق، العديد منهم لا يزال يعتبر أن من يرتاد هذه الأسواق هم أدنى مرتبة، العديد منهم يشترون أشياء رائعة من هناك لكنهم يرفضون أن يقولوا للآخرين بأنهم حصلوا عليها من هناك، هم لا يزالون يتعاملون مع الفلو ماركت كما لو كان سوق اللصوص في سوريا حيث لا يجوز التعامل معها. لكن ومع مرور الوقت يصبحون أكثر واقعية يشجعهم الألمان الذين يتعاملون بشكل طبيعي وعفوي مع هذه الأسواق، العائلات التي لديها أطفال في المدارس ستعرف سريعا أنه يتم تشجيع الأطفال في المدارس على أن يقوموا ببيع اشيائهم الشخصية وألعابهم بالتأكيد ليس الغرض من وراء هذا تجاري، ولكن من أجل تطوير مهاراتهم وشخصيتهم المستقلة.

قبل أن أغادر سوريا كنت شاهدا على حادثة مؤثرة عن رجل فر مع عائلته من إحدى البلدات الساخنة تاركا وراءه كل شيء، وبينما كان يسير في شارع المدينة التي انتقل أليها لمح براد منزله في إحدى السيارات، بفضل صور أطفاله المعلقة على البراد، فقرر الركض خلف السيارة التي كانت في طريقها إلى سوق الحرامية. أدرك الرجل السيارة أخيرا بعد أن كادت انفاسه تتقطع لكنه لم يتمكن الرجل من استرداد البراد إلا بعد أن دفع ثمنه من جديد، قال للناس الذين كانوا يجتمعون حوله ان ما دفعه لم يكن ثمنا للبراد بل ثمنا لذكرياته ولصورة أولاده.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph