مقال لـ” أحمد عمر”: “قِـفَـا نَـبْـكِ” على جدار البوندستاغ

  • 15 أكتوبر، 2016
مقال لـ” أحمد عمر”:  “قِـفَـا نَـبْـكِ” على جدار البوندستاغ

يسرد الكاتب بطريقة قصصية جميلة الأجواء في مدرسة تعلم اللغة الألمانية، وكيف نشب شجار عنيف بين شخصين حول خلاف ديني عن تحريم الفائدة في البنوك بألمانيا، تسبب بنشر الذعر بين الطلاب والمعلمة الألمانية، وتحول هو إلى وسيط سلام بين الجانبين.

 نص المقال:

 كانت أغرب معركة نازحين في ألمانيا المحتلة، وسميت يوم المعركة، يوم “السُحت” أسوة بيوم تِحلاق اللمم، ويوم الفجار، ويوم ذي قار.

كنت كل يوم أحمل حقيبتي على ظهري، وفيها كتب وأدوات مدرسية، وأقلام كثيرة، وصندويشة وزجاجة ماء مثل براعم المستقبل، قاصداً مدرسة تعليم لغة الأشغال الشاقة.

تقع المدرسة الألمانية، في شارع أوبل شتراسه، بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ، أصل متأخرا كالعادة، فلا عقاب للطالب بالوقوف على قدم واحدة رافعاً اليدين جزاء نكالا على التأخير، وما إن أجلس حتى أغيب عن الوعي مثل جيك سولي الذي كان يتحول إلى الكائن الأفاتاري في فيلم آفاتار، فأقضي أربع ساعات سارحا في مدن زرقاء ووردية، مسحورا بخميرة الذكريات. يوقظني زميلي الشامي معتز: انتهت الرحلة عمو، وحان موعد غنيمة الإياب. صار لقبي عمو عند الحلبي، عميم عند الحمصي، وخالو عند الكردي.. “هرمنا”، والحمد لله على حسن الختام، وحس الختام اسم للنهاية، وليس اسماً لحسناء جَاءَتْ بِرَيَّا الْقَرَنْفُلِ.

أنزل من الرحلة وقوفا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ، يقُولُونَ: لا تَهلِكْ أَسىً وَتَجَمَّلِ، وأحمل حقيبتي وأعود فرحا، سابقا الجميع، كما في أيام الابتدائية. انتبهت يوماً إلى أن بعض قرى حلب كانت تسمي مقعد الدرس الثلاثي الركاب: رحلة.

لي مدرسان، واحد تركي في الخمسين، وهو كاتب سياسي ساخر يكتب بالألمانية، و”خزمتي” النزعة من جماعة غولن، فهو يكره أردوغان، استدرجته فبثَّ أضغانه في الاستراحة، كما لو أن أردوغان سفاح يلقي بالبراميل النارية على رؤوس الأتراك في الشوارع. والثاني هو آنسة ألمانية رقيقة في ضحى الثلاثين. اسمها أليزا، يكاد المرء أن يقول لَهَا سِيري وأرْخِي زِمَامَهُ وَلا تُبْعِدِيني مِنْ جَنَاكِ اُلْمعَلَّلِ. والطلاب عددهم اثنا عشر طالبا من جنسيات متنوعة، “تشكيلة” كما في خلائط النُقل والموالح، وتسلية الرحلة.

انطلق شرر المعركة من درس في المصطلحات المالية، من “السينس” وتعني: الفائدة الربوية في المصارف.

أفتى خرميش: حرام.

قال يوسف: لست في مراكش يا أفندي.

ثم تحولت الهمستان الطائشتان إلى صراع، ومعظم النّار من مستصغر الهذرِ.

يوسف شاب أفريقي من غانا، مسلم، يحفظ شعره في قلنسوة صوفية ملونة من عاديات النظر في فصل الصيف الحار الرطب، وتلك مشقة بل هي بدعة.  ظننته سيخياً في أول الأمر، فذكور السيخ الورعون يتطيرون من ظهور شعرهم، ويحفظونها تحت عمامة يسميها الأمريكان العنصريون “الحفاظة” شتماً وسخرية. ولم أعرف سبب خِمار يوسف، ثم تأولته، نذراً التزم به. مرة شرح متطوعاً لنا، فالسؤال ليس من أدب اللياقة؛ إنه من قوم يدفنون الشعر المحلوق، ويجعلون للأظافر المقصوصة مقابر تحت الأرض، لأنها سماد مفيد للتربة! جِهل أنها سنّة نبوية، على الاستحباب، فسبحان الله، فله في خلقه شؤون.

المدرِّسة أم الحويرث أخفت دهشتها، وقالت: الأديان في ألمانيا متساوية، وهي بلد علماني، أليزا تتكلم حبةً حبةً كأنها تقول: لَكَ الْوَيْلاتُ إِنَّكَ مُرْجِلي، وقال يوسف معلقا على الفائدة: الفائدة في ألمانيا حلال، فانبرى الشاب المغربي خرميش ساخطا وقال: كافر!

كل شيء وقع فجأة، فكل الحوادث المغيرة للتاريخ تقع فجأة. وقد أثارت قولته نقعاً، وصياحهما كأنه ليل تهاوى كواكبه.

ردّ يوسف على خرميش ساخرا: عُد إلى بلدك الحلال.

فقال خرميش: ليس بلد أبيك وأمك حتى تطردني؟

فقال يوسف: بلدك حلال عُد إليه.

فوثب خرميش على يوسف في الصف وثبة النمر الغاضب، وتماسكا، وتلاكما، وتطاير الريش وثار النقع، فأفقت من سرحاني في خمائر كينونتي الأفاتارية، والجميع مذهولون مصعوقون، وأغمي على المدرِّسة “أم الحويرث”، ووضعت الزميلة البولونية السحاقية بوجنا يدها على فمها خائفة، واحمرت الحدق، وحمي الوطيس كما في أفلام الويسترن. الهويات جريحة، كل الهويات صارت تنزف عندما صار العالم قرية صغيرة أصغر من إست العقرب في برد العولمة. بادرت إلى الإسعاف والإغاثة، ووسطتُ بهم جمعا، فحجزت بينهما وجررت خرميش خارج الصف بالقوة، والرماح نواهل من دمي، وأكلت لطمة طائشة. هدأت خرميشاً، وعدت إلى يوسف الذي يضع الإيشارب وأنا أعاتبه وأقول له:

أنت كبير يا يوسف، وهذا شاب طائش، لك سيماء شيخ قبيلة، وكان عليك أن تحلم على الولد”.

وعدت إلى خرميش وأنا أعنفه، وأغالب رغبة شديدة في صفعه صعفةً أجعله فيها يدور مثل الصياح، وكان امرؤ القيس قد وصف بالصياح فرسه: دَرِيرٍ كخُذْروفِ الوليدِ أَمَرَّهُ   تَتابُعُ كَفَّيْهِ بخيطٍ مُوَصَّـلِ.

وقال المعجم في شرح المعلقة: شيء يُدَوِّرُهُ الصبيُّ بخيطٍ في يديه فيسمع له دويٌّ.

الغريب أديب، هكذا يقول المثل عندنا، لاجئ وتبول وتسْلَح في الصحن، وترمي الناس بالكفر، انظر إلى تقوى يوسف، بلغ به التقوى أنه يخفي شعره الفاتن، فقال: – لكنه مرابي، والربا حرام، فقلت: هي من الكبائر، لكنها لا تخرج المسلم من الملّة، وأين الملّة يا فلةّ، العين هنا مفتوحة على الدواعش، سيظنونك داعشياً، أو بطل رواية الجريمة والعقاب لدستوفسكي أيام القيصر. هذا زميلنا وأخونا يوسف المسلم، وليس تاجر البندقية شايلوك.

ناولته منديلا، فمسح الدم عن فمه، وعدت إلى الصف، وكان الجميع مذعورين، كأن القافلة تعرضت لغزوة، وأم الحويرث أليزا صفراء بِالمُتَنَـزَّلِ، من ساعة دَارَةِ جُلْجُلِ، قالت إن هذا أغرب ما وقع لها في سبع سنوات من التعليم، فَفَاضَتْ دُمُوعُ الْعَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً، عَلى الْنَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِي محْمَليِ.

وعدت إلى خرميش القزعة، وقلت له معاتبا وأنا أشير لسرواله:

قبل أن تصارع الناس في ألمانيا أيها اللاجئ، اشتر بنطلونا لائقاً، يا أخي قل إنك فقير، خذ هذه عشرين يورو مني صدقة، واشتر واحداً جديداً.

وأخرجت قطعة نقدية من جيبي، بنطلونه ممزق ألف مزقه، فابتسم، وقال: لا هذه “مودة “.

قلت: طيب ليس عندك نطاق، سأجلب غدا نطاقاً تلفه على بنطلونك الممزق المرجّل، فأخدود مؤخرتك ظاهر من الخلف.

قال لي: هذه “مودة”..

وضحك على سذاجتي وبساطتي. تابعت جهودي في المصالحة الوطنية العربية الإسلامية، وقلت:

يبدو أنك تحلق لنفسك في البيت، شعرك محلوق قزعة، وذقنك أيضا، مثل بلاط هذه المدرسة، بلاطة سوداء وبلاطة بيضاء!

فضحك وقال: هذه أيضا مودة (موديل).. الموديل أن يكون شعر الرأس مثل… البلاط.

تذكرت له الحديث الشريف: لا تكونوا إمعة ً تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا ” وقلت له: قبل أن تكفِّر الناس على الفائدة، وهي من الكبائر، وليست مكفرة، وتنصِّب نفسك رئيسا للحسبة في إمارة دويتش لاند المذعورة من الدواعش، وتجعل نفسك مفتيا للحلال والحرام في الإسلام؟ ابدأ بنفسك، القزعة حرام في الإسلام، ومؤخرتك مكشوفة، أأنت من المثليين الأفاضل..  أأنت “غي”؟

قال: وااااا.. أعوذ بالله..

قلت: فلمَ مؤخرتك مكشوفة مثل مؤخرة القرد؟ هذه مؤخرة من يقوم بالدعاية لها، ولو كنت بنتاً لقلنا مؤخرتها جميلة وسكتنا.

الجمال رشوة بصرية لنهب مكارم الأخلاق في حالة نون النسوة. عجبت من أمر هذين الصعلوكين، هما لاجئان، أحدهما مسلم يكشف مؤخرته، ويسميها العرب السوأة، لأن المرء يستاء من ظهورها، والثاني مسلم يحجب شعر رأسه منذ ست سنوات، رفعت يدي إلى السماء وقلت ضارعا: اللهم إني أبرأ إليك من أمر هؤلاء. اللهم ارفق بأَمَتِك الصالحة إنجيلا ميركل ونجها من شرورنا وسيئات أعمالنا، يا رب.

اعتذر: واااا.. أعوذ بالله، أنا طبيعي… ومتزوج وعندي ولد.

قلت:  الذكور، ذكور كل الكائنات تفعل عكس ما تفعل، تسعى إلى إبراز فحولتها ، والإناث إلى إبراز أنوثتها

وذكرت له حديث القزعة، ثم تلوت عليه آية من القرآن الكريم فخشع، واستكان، وعدت إلى يوسف في الصف وعاتبته وقلت له إن “الغلام” يعتذر ومستعد للمصالحة الوطنية، ولا نريد للخصومة أن يصل صداها إلى البوليس. رائحا غاديا بين عبس وذبيان، أقنعت كل واحد منهما بأن الآخر نادم وسيعتذر، وما عليه سوى الابتسام.

استطعت أن أخرج بيوسف، فهو زعيم قبيلة أفريقية محترم، من وكر الصف إلى الممر خارج القاعة، وأن أجعلهما يتصافحان، وأن يقفا لنبك ِمن ذكرى حبيب ومنزل. عادا إلى الصف متعانقين، وخرميش يشدُّ نطاقه، وأم الحويرث مدهوشة من سرعة المصالحة الوطنية، قلت لها: كاميرا خفية يا مولاتي..”فيرشتيكن” كاميرا..

وصفق الجميع.. وشكرتني أم الحويرث التي استعادت روحها بكوب من القهوة قال فيها ابن حمديس: قهْوَةً، لو سُقِيَتْها صخرة ٌ… أورقتْ باللّهو منها والطَّربْ

فصارت أم الحويرث، بعد المصالحة، تضِـيءُ الظَّلامَ بِالعِشَاءِ كَأَنَّهَــا مَنَـارَةُ مُمْسَى رَاهِـبٍ مُتَبَتِّــلِ.

عادت المدرِّسة أم الحويرث إلى متابعة الدرس، وعدت إلى مقعدي الذي يسميه أهل قرى حلب الرحلة، ما إن جلستُ حتى تحولتُ إلى الكائن الآفاتاري، وغبت في خمائر ذكريات ليلٍ: كمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدو لَهُ، عليَّ بأَنْواعِ الُهمُومِ ليبْتَلي. وضعِت تحت أنقاض برميل ومنزل.

(المقال من موقع المدن / الصورة تعبيرية)

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph