مقالة رأي: لماذا لا يخترع الألمان جهاز إلكتروني لقياس الإندماج؟ – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 17 يوليو، 2016
مقالة رأي: لماذا لا يخترع الألمان جهاز إلكتروني لقياس الإندماج؟ – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

أعيش في المانيا منذ أبريل (نيسان ) في العام الماضي، لكني لا أعرف إلى أي حد يتناسب مقدار اندماجي بالمجتمع الألماني مقارنة بالوقت الذي أمضيته هنا، أنا أشرب البيرة بكثرة، حصلت على البي أينس -مرحلة أساسية في اللغة الألمانية- و صار بإمكاني أن اقول لجاري المسن نهارك طيب بطلاقة كما اني لم أعد أخطأ باسم محطات الباص التي سأنزل فيها كما كنت أفعل في السابق، لدي العديد من الأصدقاء الألمان وأنا أتفهم لماذا لا يجيبون على الايميلات التي أرسلها لهم مساء الجمعة حتى يوم الأثنين مهما كانت هامة ومع ذلك فأنا أستمر في إرسالها لهم في نفس الموعد.

يقلقني معدل اندماجي أكثر من أي شيء آخر، وأرغب بالاطمئنان إلى مستواه، تماما كما يطمئن مريض السكر إلى نسبة السكر في الدم، أفكر أحيانا لماذا لا يوجد في السوق جهاز إلكتروني يمكنه قياس مقدار الاندماج، تقف عليه مثلا كالميزان فينطلق السهم إلى الدرجة الأولى او الثانية أو الثالثة فتعرف على الفور حالتك الاندماجية التي أنت عليها، فعندما يكون المؤشر منخفضا مثلا تقوم بشرب المزيد من البيرة، أو تقوم بخلع حذائك والمشي حافي القدمين في الشارع، أو ربما تأخذ كبسولات أو تحاميل مخصصة لأمراض الاندماج يمكن شرائها تمام كما يشترى الواقي الذكري من الصيدلية. أما عندما يكون المؤشر بالمستوى الثاني أو الثالث تكافئ نفسك بالاسترخاء او بالاستماع إلى أغاني باللغة العربية دون ان تشعر بتأنيب الضمير لأنك لا تتجاهل الألمانية.

في الواقع مثل هذه الاختراعات مهمة جدا ويجب على الحكومة توفيرها، اليس الألمان هم مخترعو التكنولوجيا رقم واحد بالعالم؟ أليس من الضروري ابتكار طرق جديدة لتسهيل عملية الاندماج بالنسبة للاجئين؟.

للاندماج فوائد كثيرة لا تعد ولا تحصى، بمجرد اندماجك تتغير حياتك، تشعر بأن تحررت من ضغوطك النفسية والكوابيس الليلية التي تلازمك منذ أو وصلت إلى ألمانيا، يقل إحساسك بالشعور بالغربة او الرهبة، تعتاد على رؤية الاشخاص الذين يلبسون بذات أنيقة جدا مع الكرافات يركبون ألواح التزلج” السكوتر” في الشارع، ثم تفكر ما هو العيب في ان تركب امك التي امضت عمرها تمشي خلف والدك بفارق خمسة أمتار على الأقل وتبلغ من العمر سبعون عاما، ما العيب ان تركب الدراجة أسوة بالنساء المسنات اللائي تراهن هنا. تفكر بأنك كلما اندمجت أكثر فإن لون بشرتك يصبح أكثر بياضا وأن لون عيناك تصبح زرقاء او خضراء، ورويدا رويدا تبدا الفروق الشكلية بينك وبين الألمان تتناقص، وربما يأتي يوما ما لن يعود من الممكن التفريق بينك وبينهم… يا إلهي ربما يكون معظم الأشخاص الذين تراهم في كل مكان ويمتلكون بشرة بيضاء وعيون ملونة ليسوا ألمان في الأساس، بل مجرد اشخاص مندمجين بطريقة جيدة جدا.

الاندماج هي الكلمة الأكثر تداولا في القاموسين السياسي والإعلامي هذه الأيام – بالطبع مع عبارة أزمة اللاجئين- لذلك فمن المرجح أن ترى الكثير من الصرعات المتعلقة بهذه الكلمة على سبيل المثال: تعلم الاندماج في ثلاثون يوما، عروض مغرية على دورات الاندماج، خصم خاص للعائلات، اندماج شخصين والثالث مجاني، لدينا خبراء اندماج من مستوى عالي، الاندماج عن بعد، تاريخ الاندماج، العيادة الخاصة لمراقبة الاندماج.

الاندماج هو الوصفة السحرية التي ستقطع على الحكومة الطريق على فكرة إرسالك إلى بلادك المدمرة من الحرب، الاندماج هو الكفيل بفتح الطريق امامك لإيجاد عمل والتخلص من موظف الجوب سنتر الذي يطلب منك القدوم لزيارته اسبوعيا ويرفض التحدث إليك سوى بالألمانية. وبالنسبة لمن لديهم طموح كبير فالاندماج يفتح الطريق أمامهم للحصول على الجنسية الألمانية.

اشعر بانتمائي إلى المكان الذي أعيش فيه، وأتضامن مع يان بويمرمان ضد أردوغان، اشعر بالقلق على المزارعين الألمان جراء انخفاض اسعار الحليب، وأكره رؤية الزجاجات المحطمة على الأرض ورائحة القيء في الأوبان ليل يوم الجمعة والسبت، أرغب في المشاركة بقص العشب الذي طال كثيرا بالقرب من محطة الهالشس تور و استمتع بكل القصص التي ترويها لي ابنتي عن اصدقائها الألمان في الكيتا لوكاس وماتيو وريشار، أليست هذه هي الأعراض الحقيقية للاندماج؟.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشر باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph