مقالة رأي: إنها برلين وليست مكة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 3 يوليو، 2016
مقالة رأي: إنها برلين وليست مكة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

يصوم آلاف المسلمين الواصلين حديثا، للمرة الأولى في المانيا هذه السنة في مناخ مختلف تماما عن البلاد التي أتوا منها، لا مظاهر احتفال عامة، لا زينة لا صلوات جماعية ولا مأكولات خاصة برمضان. بصورة عامة يمكن مقارنة أجواء رمضان في البلاد الإسلامية بأعياد الميلاد في الدول الغربية، حيث الجميع يكون منشغل بالتحضير للعيد. إلا ان التغيير في المدن الإسلامية خلال هذا الشهر يكون أكثر عمقا، ليس فقط ان الجميع يمتنع عن الطعام والتدخين في العلن، ولكن في العلاقات الإنسانية التي تشهد انتعاشا، مساعدة الفقراء، التبرع، والغفران. أيضا لباس النساء يصبح اكثر احتشاماً، العائلات تمارس ضغطا على الفتيات بعدم ارتداء الألبسة القصيرة أو المثيرة، كنوع من الاحترام لمشاعر الصائمين الذين لا يصومون عن الطعام فقط بل يصومون عن النظر للنساء، لأن الرغبة الجنسية خلال فترة الصوم تفسد الصيام. يخشى بعض الألمان أن طول أوقات الصيام الذي يصل إلى عشرين ساعة قد يجعل سلوك الصائمين عدوانياً، لكن هذا عاري عن الصحة تماما، فالصيام يترافق بمجموعة ممارسات أخرى أخلاقية خالصة، وكلما ازدادت مشقة الصوم يعتقد المسلمون أنهم يكتسبون المزيد من الأجر والثواب من الله، بمعنى أن من يصومون عشرين ساعة أفضل ممن يصومون عشر ساعات ومن يصومون في أجواء الحر الشديد لهم أجر يفوق صائمو المناطق المعتدلة، ومن يصومون في مجتمع حيث الجميع صيام، لهم أجر اقل ممن يصومون كأقلية. إن تصوير الصائمين بعد عشرين ساعة على انهم متحرشون مفترضون أو ماكينات للتدخين والطعام هو امر سيء للغاية وهو لا يسيء إلى الصائم نفسه بل إلى فكرة الصيام نفسه الذي هو مبدأ أساسي في العقيدة الإسلامية.

مع وجود مئات آلاف المسلمين القادمين حديثاً، يبدو أن مسألة الصيام تأخذ حيزا أكبر في النقاش العام، ويظهر ذلك واضحا في الصحافة الألمانية، وبصورة عامة فإن قيم التسامح التي تسود المجتمع الألماني دفعت بالكثير من المواطنين إلى الانفتاح على الإسلام والقبول بممارسة المسلمين لعبادتهم، الكثير منهم يتفهمون التغيير الكبير الذي يطرأ على سلوك وعادات زملائهم في العمل وجيرانهم من المسلمين خلال شهر رمضان، إلا أن هذا لا ينفي وجود أقلية لا تزال تشعر بالقلق من هذا الحضور المتنامي للثقافة الإسلامية، وأن رمضان فبالنسبة لهؤلاء هو دليل على أن المسلمين شديدو الاختلاف عنهم.

لم يتمكن المسلمون في معظم مدن اوربة ومنها برلين من إيجاد حل لمسألة مواعيد الصيام، فمنهم من يصوم على مواعيد اقرب مدينة إسلامية ومنهم من يصوم بناء على وقت بلاده الأصلية ومنهم من يصوم بناء على مواعيد مكة، ومنهم من يصوم بناء على وقت الجمعيات الإسلامية في المدينة التي يعيشون فيها. لكن هذا لا يؤثر في جوهر الصيام وسلوك الصائمين على الإطلاق، المشكلة الأبرز هنا هي الخلاف حول وجوب صيام الأطفال، ففي الوقت الذي يرى بعض المسلمين أن صيام اليافعين هو أمر ضروري ليس فقط من مبدأ إيماني وإنما من مبدأ تجديد الروابط بين الأطفال وجذورهم، يرى آخرون أن صيام الأطفال هو أمر خطير على نموهم خاصة في أوقات الصيام الطويلة كما هو الحال في برلين هذه السنة.

الكثير من الآباء يطالبون بمعاملة خاصة لأبنائهم في المدارس إعفاءات من الدروس الرياضية أو من الرحلات الخارجية، شخصيا أعتقد ان معظم العائلات ليست جدية في مسألة صيام الأطفال ذلك أن معظم الأطفال لا يتمكنون من المضي في الصيام في غالبية الأوقات، معظمهم يوقفون صيامهم عندما يصلون إلى البيت، بسبب طول فترة الصيام، والأهالي غالبا ما يدفعونهم لوقف صيامهم بعد ساعات قليلة فقط، لأن ما يريدونه منهم هو فقط تعويدهم على الصيام وتحضيرهم للصيام عندما يصبحوا قادرين على ذلك.

وفقا لمعلمة في أحد الصفوف المسماة أهلا وسهلا المخصصة للطلاب اللاجئين قالت إن عدد كبيرا من طلابها كانوا صائمين في اليوم الأول من رمضان، في اليوم الثاني أصبح عددهم خمسة أطفال وفي اليوم الثالث كان هناك طفل واحد لكنه توقف لاحقا.

في بلد مثل سورية ليس هناك أية امتيازات للصائمين، باستثناء تخفيض ساعات العمل بمعدل ساعة يوميا خلال الشهر، لم تؤجل الامتحانات ولو لمرة واحدة بسبب الصيام، ولم تؤجل المباريات الرياضية أيضا لهذا السبب. ولطالما اعتبر الصيام في سورية مسألة شخصية لا يمكن تغيير القوانين من أجلها. كما لا يعتبر عدم الصيام جرماً يعاقب عليه القانون، بل فقط هناك حالة استهجان اجتماعية لمن يظهر عدم صيامه علانية، الكثير من الشبان يتفادون التدخين علانية، لذلك يلجأ البعض إلى التدخين في السر، وهنا في ألمانيا فإن الذين يسكنون في الملاجئ يعيشون حالة مشابهة للحالة التي كانوا يعيشونها في بلدانهم، معظم الناس تصوم بشكل طبيعي والبعض منهم يخشون المجاهرة بعدم صيامهم لذلك فهم يدعون الصيام رغم انك يمكن ان تشم رائحة الدخان تفوح منهم، أما الذين تمكنوا من ايجاد مسكن خاص فيشعرون بضغط أقل عليهم في مسالة الصيام.

عندما تسال الصائمين لماذا تصومون فعادة ما يكون جواب معظمهم لأننا مسلمون، القليل منهم يقولون لأن الصيام يعلمني الصبر ويجعلني أشعر بالفقراء والمساكين، الغالبية ينسون جوهر الصيام ويذهبون إلى اعتباره هوية إسلامية رغم أنه موجود لدى باقي الطوائف، ولكن هل يعني أن من لا يصومون لا يشعرون بالجوعى والفقراء؟. بالتأكيد لا فقد رأيت مئات المتطوعين الألمان الذين يحملون صناديق الماء والمعلبات والأطعمة ويوزعونها على اللاجئين في مركز الانتظار في مراكز استقبال اللاجئين لأسابيع طويلة وسواها العام الفائت؟. هؤلاء لم يكونوا صائمين.

لا يتوقع المسلمون أن يقوم الألمان بتغيير نمط حياتهم كي يوفروا لهم مناخا مناسبا للصيام، رغم أن هناك حالة تعاطف مع الصائمين من خلال تقديم الطعام وعمل موائد الإفطار الليلية، وهناك الكثير من أرباب العمل الذين يراعون هذه المناسبة، كذلك فقدت تغيرت طبيعة عمل العاملين في مراكز اللجوء، تغيرت مواعيد الوجبات وافتتحت مواقع جديدة للصلاة وبات على العمال الاجتماعيين بذل المزيد من الجهد لتوفير الراحة للصائمين. لكن بالتأكيد لن يتوقف الألمان عن أكل المعجنات والتدخين وشرب البيرة في الشوارع و وسائل المواصلات إكراما لمشاعر الصائمين، لن تفكر النساء الألمانيات اللواتي ينتظرن صيف ألمانيا القصير لارتداء الثياب القصيرة ولو للحظة واحدة بالتوقف عن ارتداء الثياب القصيرة، بل يجب على الصائمين أن يتجنبوا النظر إلى النساء.. ألا يزداد الأجر بسبب هذا؟؟ إنها برلين وليست مكة!!..

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph