مهاجرة سورية: لصوتكِ الحق في أن يصل العالم

  • 29 يونيو، 2016
مهاجرة سورية: لصوتكِ الحق في أن يصل العالم

لا أنكر أن سوريا مقارنة بدول عربية أخرى أكثر احتراماً للمرأة، وتطور حقوقها التدريجي يتصاعد بشكل ملفت. لكنني لا أنكر أن المجتمع لم ينصفها بعد، وما يزال ينظر إليها كشخص ناقص وضعيف، تقول ريم ضوا في مقالها.

“لا تذهبي”، “لا تتحدّثي بهذا الشكل”، “لا ترتدي هذا”، “لا تكلّمي ذاك”،” لا تضحكي بصوت مرتفع”، “لا تفعلي”، “لا تتدخلي”.. مجموعة اللاءات التي اعتادت طفولتنا المؤنثة سماعها. أنتِ أنثى… لا يجوز ذلك اخفضي صوتك.. اخفضي صوتك.

قبل عدة أعوام في دمشق، كنت متّجهة إلى عملي، وكانت الحافلة مكتظّة بالناس كالمعتاد وبالكاد وجدت مقعداً شاغراً وجلست بسرعة مع شعور بالانتصار. لم تدم فرحتي الصغيرة طويلاً بفضل أحمق كان يجلس بالمقعد المقابل لمقعدي تماماً. كان يحاول جاهداً لفت انتباهي إليه ليقوم ببعض الحركات السخيفة على مرأى من الركاب الآخرين. كان الموقف محرجاً جداً. تملكني الخوف والحرج بشدة لأنني لم أعلم ما علي فعله. كنت أفكر، إن نزلت الآن قد يتبعني.. إن اشتكيت لأحد سيقولون: “لو موعاطيتو وجه ما بيتصرف هيك”. كدت أختنق لشعوري بالوحدة بالرغم من أني كنت محاطة بالناس من كل الجهات.

بعد قليل سمعت صوت سيدة في منتصف العمر تكلمني، قالت: “مرحبا.. كيفك؟”، لم أعرفها، لكنني أدركت مبادرتها وبدأت الحديث معها، ثم أشارت إلي بالنزول من الحافلة. نزلنا وشكرتها على تدخلها لإنقاذي من ذلك الموقف. مازلت أذكر كلماتها ووجهها الطيّب حين قالت: “انقهرت وخفت يلحقك.. تخيلتك بنتي!”. (انقهرت) هذا النوع من القهر الذي لن يعرفه الرجل العربي. نعم القهر، القهر بأن أكون صاحبة حق وبنظر المجتمع، المُسبّب.. هذا القهر الذي تشاركته مع تلك السيدة وابنتها وابنة أحدهم أيضاً، فقط لأننا نعيش في ظل مجتمع ذكوري يرى في المرأة نصف إنسان.

وخلال إقامتي في ألمانيا وفي حافلةٍ لا تشبه سابقتها بشيء، إلا بمتحرّشٍ مكبوت، تكرر الموقف، لكن هذه المرة لجأت للشرطة التي وقفت بجانبي، فنال عقابه وشعرت لأول مرة أن أنوثتي أقوى مما سبق.

ويتساءلون عن سبب احترامنا للمجتمعات الأوروبية، ولماذا تطالب المرأة بالمساواة في حين أنها تدرس وتعمل! على فكرة.. المساواة بين الجنسين لا تقتصرعلى ذلك فقط، كما لا تعني التشبه بالغرب من حيث طريقة الملبس أو الحياة، أو كما يحاول البعض تشويهها على أنها (انحلال أخلاقي)، بل تعني المساواة في القانون وفي جميع مجالات الحياة وتكافؤ الفرص والأمان الاجتماعي. وهذا هو الحال في ألمانيا، حيث يتساوى الجنسان أمام المجتمع والقانون، ولا يعتبرون الشكوى على المعاكسات “مياعة” أو “دخول المخافر مو للبنات”، وعلاوة على ذلك ما تزال الحركة النسوية قائمة.

بنبرة لا تكاد تخلو من اللوم والاتهام يتحدثون عن نسبة الطلاق التي ارتفعت بين اللاجئات ولم يأخذوا بعين الاعتبار االخلفية الاجتماعية ونظرة المجتمع العربي للمرأة المطلقة التي تقيد قرارهن، بالإضافة إلى أن الطلاق لا يتم إلا بموافقة الزوج، الأمر الذي يختلف في ألمانيا كلياً عن البلد التي جاؤوا منها، حيث يُنصف القانون في ألمانيا كلا الطرفين ويؤمن الحماية للمرأة ويعيل الأطفال. كما أن انخفاض نسبة الطلاق في المجتمع العربي مقارنة مع هنا لا يعني بالضرورة أن الأسر متماسكة وبحالة جيدة.

صديقتي التي تزوجت في عمر صغير ولم تكمل دراستها الثانوية عانت الأمرين مع زوجها من خياناته المستمرة والمعاملة السيئة خلال زواج استمر لعشرة أعوام. كانت تبكي بحرقة وتشتكي عدم قدرتها على الانفصال بقولها: ” كيف سأعيل أطفالي الثلاثة، كيف سأواجه الناس؟” وبعد قدومها إلى ألمانيا تعرفت على حقوقها بمساعدة المسؤولة الاجتماعية، لتضع نقطة النهاية لحكاية معاناتها الزوجية. وقالت في آخر لقاء لنا: “سأتعلم وأعمل، لست عبئاً على أحد، ولن أتحمل الإهانة بعد اليوم”.

الفرق بين مجتمعنا العربي والألماني هو (لا).. فلنستبدلها بحزمة (لاءات جديدة)، لا للقهر، لا أسمح بتهميشي، لا أقبل التمييز، لا أقبل بالإهانة.. تعلمي أن تقولي لا عند حاجتك إليها. أنتِ أنثى، أنتِ نصف المجتمع، ولصوتك الحق بأن يصل العالم.

“المقال لريم ضوا من موقع دويتشه فيله (DW)”

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph