مقالة رأي: الألمان يريدوننا أن نكون قطع غيار لهم! – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 7 مايو، 2016
مقالة رأي: الألمان يريدوننا أن نكون قطع غيار لهم! – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

وقّعت أم كمال وهي امرأة سورية عبرت البحر وحيدة قادمة إلى ألمانيا على مئات الأوراق منذ قدومها قبل عام وشهرين، هي لا تقرأ ولا تكتب العربية أصلا، وتمضي بناء على يترجمه لها جيرانها أو بعض معارفها الذين يعيشون حولها في المركز الذي تقيم فيه منذ أن وصلت.

لا تتذكر أم كمال مضمون الأوراق التي وقعت عليها، لكنها لا تزال تحتفظ بكل قصاصة ورق وصلت إلى يدها، بما في ذلك فواتير المحلات التي تشتري منها الخضار والخبز والوصفات الطبية وتذاكر وسائل النقل الشهرية التي استخدمتها منذ وصولها، هي تحاول الالتزام بنصائح أكدها لها أكثر من شخص بأنها يجب أن تحافظ على كل ورقة تصل إليها لأنها قد تحتاج إليها يوما ما، لذلك فهي تطبق ذلك حرفياً، وعلى ذلك فهي تمتلك أرشيفا ضخما من الأوراق تضيق بها غرفتها الصغيرة في الملجأ.

لكن أكثر ما يقلق أم كمال هو تلك الرسالة التي وصلتها بعد أشهر قليلة على وصولها والتي كانت تدعوها إلى التبرع بأعضائها بعد الموت. تقول أم كمال انها كانت مشوشة جدا في تلك الفترة وأنها خائفة من أن تكون قد اختارت الموافقة بدلاً من الرفض، لذلك فهي تشعر بالخوف دائماً، وترغب في التأكد من أنها لم تقترف هذا الخطأ، إنها تفكر كل الوقت في الأمر، حتى بات كابوساً، وقد حلمت أكثر من مرة بأنها عمياء وأن شخصا آخرا يستخدم عيونها، على الرغم من كل التطمينات التي حاولت التهدئة من مخاوفها إلا أنها لا تزال خائفة ولن تهدا قبل أن تمزق هذه الورقة بيديها.

التبرع بالأعضاء إحدى الحقائق الصادمة بالنسبة للاجئين هنا، فهم يتلقون بعد وصولهم بأشهر رسالة تسالهم ما إذا كانوا يرغبون بالتبرع بأعضائهم بعد الموت، لذلك يكون الجواب شبه مؤكد للجميع هنا وبدون نقاش وهو الرفض.

لا يتعلق الأمر بأية عقيدة او مبادئ دينية، فالتبرع بالأعضاء مباح في الإسلام عموما، فئة قليلة من المسلمين تعتبر نقل الأعضاء محرما، و الامتناع عن التبرع بالأعضاء يرتبط بالخوف الذي يتولد من شعورك بفقدان عضو، او بهؤلاء الذين يحملون أفكار عن الحياة ما بعد الموت.

لا أعرف ما إذا كانت بقية الشعوب تعاني من نظرية المؤامرة كما نفعل نحن السوريين، الكثير منا يميلون إلى ربط كل الأشياء التي تجري بالمؤامرة، التي تبدأ على الصعيد الشخصي والوطني وكذلك العالمي- هذا ليس غريبا فالنظام السوري نفسه يتحدث عن المؤامرة الكونية ضده ثلاث مرات على الأقل اسبوعياً. آخر نظريات المؤامرة بالنسبة للاجئين في ألمانيا هو السؤال حول أسباب استقبال ألمانيا لهذه الأعداد الهائلة من اللاجئين، هناك عشرات التفاسير لهذه المسألة، وتختلف من “خبير” إلى آخر، لكن أبرز هذه التفاسير المتداولة بين اللاجئين تقول بانهم يحتاجوننا كعمالة رخيصة، عمال بناء، ونظافة، يريدوننا أن نزيل حفاظات هؤلاء المسنين الذين يتخلى عنهم أبنائهم ويقذفون بهم إلى دور المسنين… ثم يحدث أن يتسلم أحدهم تلك الرسالة التي تسأله ما إذا كان يرغب في التبرع بأعضائه، يا إلهي بدأت أشعر بالألم في كليتي.. آه الآن بدأت الصورة أكثر وضوحاً هم يريدوننا أيضاً أن نكون قطع غيار لمواطنيهم، إنها نظرية المؤامرة بلا شك وهذا أحد فصولها!!. بالطبع لا يعط هؤلاء العباقرة بالاً لمئات الشبان والشابات من ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء اللذين يقومون بتنظيف مراكز إقامة اللاجئين، وينظفون الشوارع و بقايا بزر دوار الشمس المرمي تحت مقاعد اللاجئين في الحدائق.

مصدر الأوراق الذي لا ينضب بالنسبة للاجئين هو الجوب سنتر، عشرات الأوراق تتراكم أسبوعيا عند اللاجئين، إضافة إلى عشرات أوراق أخرى، رقم ضريبي، رقم تقاعدي، رسائل من مؤسسة التلفزيون والراديو تطلب منك دفع ضريبة على خدمة لم تستخدمها، وأخرى من شركة الكهرباء، إعلانات من البنوك والمحلات التجارية الكبرى تجدها جميعها في صندوق بريدك، آخر البريد الذي وصل إلي كان رسالة من أحد جيراني كتب فيها: منذ أن توقفت عن التدخين، سعالك الليلي يمنعني عن النوم، إما أن تذهب إلى الدكتور وإما أن تعود إلى التدخين!. إنها مؤامرة جدية ألم أقل لكم من قبل؟.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph