سوريات في لبنان يروين كيف عشن جحيم “العبودية الجنسية”

  • 20 أبريل، 2016
سوريات في لبنان يروين كيف عشن جحيم “العبودية الجنسية”

في غرفة مظلمة طليت نوافذها باللون الأسود، سرير علق فوقه سوط وثياب داخلية نسائية مرمية على الارض. في هذا المكان المقزز والاشبه بزنزانة داخل احد بيوت الدعارة في شمال بيروت، خضعت سهى ولسنوات طويلة مع العشرات غيرها “للعبودية الجنسية”.

وتقول سهى (27 عاما) التي تستخدم اسما مستعارا في مقابلة مع وكالة فرانس برس، “كان علينا أن نمارس الجنس مع 15 إلى 20 رجلا في اليوم، وأحيانا يصل العدد إلى 40”.

وفي بداية نيسان/أبريل الحالي، هزت لبنان فضيحة كشف فيها عن شبكة للاتجار بالبشر. وبحسب المنظمات الحقوقية، ازداد عدد النساء اللواتي يمارسنّ الدعارة أو هن عرضة للاتجار بالبشر منذ بداية الحرب في سوريا في 2011، لا سيما في لبنان والاردن.

وحررت القوى الأمنية اللبنانية الشهر الماضي 75 فتاة تترواح أعمارهنّ بين 20 و28 عاما، معظمهنّ من السوريات، اجبرن على ممارسة الدعارة وتعرضنّ لأبشع أنواع الضرب والتعذيب.

وزاد من وقع الصدمة توجيه سياسيين اتهامات لمسؤولين في شرطة الأداب بالتواطؤ مع القيمين عن شبكة الاتجار هذه، فضلا عن اقفال عيادة طبيب نسائي اعترف، بحسب الأمن الداخلي اللبناني، بإجراء مئتي عملية اجهاض للفتيات، من دون أن يتم توقيفه.

وتقول سهى التي لجأت إلى إحدى مدن جنوب لبنان، “لم نكن نخرج من المحل، كان الحراس يحضرون لنا كل شيء: الثياب والماكياج والطعام”.

– تعذيب وجلد –

وتروي سهى التي تمكنت من الفرار من “سجنها” قبل أربعة أشهر من الكشف عن الشبكة، كيف كان يتوجب على الفتيات إرضاء الزبون أيا كانت رغباته.

وتقول الشابة السمراء “إذا رفضت إحدى الفتيات ممارسة الجنس من الخلف أو من دون واق ذكري، أو في حال عبّر الزبون عن عدم رضاه، يتم جلدها بعد ربطها على الطاولة في ساعات الصباح الأولى”.

وفرّ معذب الفتيات، وهو عنصر سابق في المخابرات الجوية السورية قدمته السلطات بحرفي اسمه الأولين ع.ر. إلى سوريا، وفق مصادر أمنية. وكان يدير بيتي الدعارة “شي موريس” و”سيلفر” في منطقة المعاملتين المعروفة بملاهيها الليلية شمال بيروت.

وتدخن سهى سيجارة تلو سيجارة، وتقول “بعد إغلاق المحل في الصباح كان ع.ر. يمدد الفتاة بثيابها الداخلية على طاولة ويضربها بالكرباج أو بواسطة ماسورة، ويرمي عليها مياها باردة. واذا حاولت الهرب، يلاحقها بالضرب بقدميه على رأسها وبطنها”.

كان التعذيب يحصل أمام جميع الفتيات ليكون “درسا” لهن في حال عدم خضوعهن. وفي إحدى المرات، اضطرت شابة “للبقاء شهرا كاملا في السرير” نتيجة الضرب المبرح، بحسب سهى.

ولم يكن يسمح للفتيات بالخروج سوى في حال واحدة، وهي حين تثير إعجاب ع.ر. ويأخذها معه “ليمارس الجنس معها فتقضي الليل معه ويختبر بذلك كيف تقوم بعملها”، وكأنها مجرد سلعة يجربها ويعيدها إلى المحل، وفق سهى.

وبعد الكشف عن شبكة الاتجار بالبشر هذه، اقفلت القوى الأمنية “شي موريس” و”سيلفر” بالشمع الأحمر، فضلا عن عدد من بيوت الدعارة الأخرى شمال وجنوب بيروت.

وتم استدراج سهى من جنوب سوريا حين كانت في الـ18 من العمر إلى لبنان، مثلها مثل غالبية الفتيات من ضحايا الاتجار بالبشر. في العام 2008، وعدها أحد معارف ع.ر. بالعمل “كنادلة في مطعم”.

وفور وصولها، صُدمت بما كان ينتظرها. وتقول “حين رفضت العمل، ضربني وقال لي: دفعت ثلاثة آلاف دولار لاحصل عليك، تاخذين حقك وتعطيني حقي”.

– أجنة مدفونة –

ويقول رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي المقدم جوزف مسلم إن التحقيقات كشفت أن “الفتيات كن يحتجزن فور وصولهنّ الى لبنان، وتتم مصادرة أوراقهنّ الثبوتية وهواتفهنّ الخلوية”. ويضيف “كان يمارس عليهم رق واستعباد حقيقي”.

ويوضح أن القوادين “يختارون في سوريا (الفتيات) من عائلات هشة أو اللواتي فقدنّ والدهن ووالدتهن ليحولوا دون أي ملاحقة جدية في لبنان”. ويشير إلى أن عدد المومسات وضحايا الاتجار بالنساء ارتفع مع بدء الحرب السورية قبل خمس سنوات.

وكان بعض القوادين يعرضون على الفتيات “العمل، وآخرون يعدونهن بالزواج، قبل احضارهن الى لبنان”، وفق ما تقول مايا عمار، منسقة التواصل في جمعية “كفى” المدافعة عن حقوق المرأة والتي مع جمعيات اخرى، اخذت على عاتقها بعضا من الضحايا بعد تحريرهنّ.

وتضيف “تم اغتصاب عدد من النساء في اليوم الأول لوصولهن، بغية اخضاعهنّ”.

وبحسب سهى، كان يتم “شراء” بعض الشابات، وبالتالي تبقين سجينات إلى وقت غير محدد، و”استئجار” أخريات لبضعة اشهر قبل نقلهنّ للعمل مع شبكة أخرى.

وتقول “طوال هذه السنوات، شعرت أنني مجرد قمامة. لم أكن أشعر بجسدي، فهو ملك لاناس يستعبدوني، هو ملك للزبائن”.

وبالإضافة إلى “العبودية الجنسية” والضرب والتعذيب، كانت الفتيات يجبرن أحيانا على الاجهاض القسري “ان كان لدى طبيب أو عبر أخذ أدوية”.

وبعد الاجهاض، كان “الجنين يؤخذ ويدفن في الحديقة الخلفية لشي موريس”.

ونتيجة الاجهاض القسري هذا، كانت غالبية الفتيات تصاب بالتهابات وأمراض داخلية.

ويقول مسلم إن فتيات كثيرات فكرنّ بالانتحار بسبب “رعب حقيقي” كن يشعرن به، خصوصا أن القوادين “اقنعوهن أنهم قادرون على القيام بما يشاؤون” وانهم يتمتعون بنفوذ قوي في لبنان.

ويقول سكان المنازل المحيطة بشي موريس لفرانس برس إنهم كانوا يسمعون صراخ الفتيات، لكن فور أن يقوم إحدهم بابلاغ الشرطة، يتوارى ع.ر. عن الأنظار.

– قوانين متناقضة –

وتقول سهى إن الفتيات لم يكن يتجرأنّ على الحديث مع الزبائن. لكن وبعد معاناة طويلة، نجح عدد منهنّ بالفرار في بداية نيسان/ابريل بمساعدة بعض الزبائن.

وتترواح عقوبة المتورطين في الاتجار بالبشر بين خمس و15 عاما في السجن، وفق قانون جديد دخل حيز التنفيذ في العام 2012.

لكن بحسب عمار، هناك قانونان متناقضان الأول يعاقب الفتاة التي تمارس الدعارة والثاني المتعلق بالاتجار بالبشر والذي يعتبرها ضحية.

وتنتقد عمار “الازدواجية” في المجتمع اللبناني، مشيرة إلى أن بيوت الدعارة المنتشرة في المعاملتين ليست سراً على أحد.

وتشير إلى “حالات أقل تطرفا أنما يتم تجاهلها”، مثل الفتيات القادمات من روسيا وأوروبا الشرقية واللواتي يحملنّ “تأشيرة فنانات” يمنحها لهنّ الأمن العام اللبناني، لكنهن في الواقع يمارسنّ الدعارة.

وتوفر الجمعيات حاليا الرعاية الطبية والنفسية والمساعدة القانونية لضحايا شبكة الاتجار بالنساء، ما يتيح لهن بدء حياتهن من جديد. واختار البعض منهنّ رفع دعاوى قضائية لتحصيل حقوقهن، بينما عادت اخريات إلى سوريا.

ويلاحق شعور بالغضب سهى التي تقول “لقد دمروا حياتنا”.

(فرانس برس)

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph