مقالة رأي: أشيائي الثمينة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 16 أبريل، 2016
مقالة رأي: أشيائي الثمينة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

في كل مرة اضطر فيها إلى التخلي عن إحدى الأشياء التي جلبتها معي من بلدي، أشعر كأنني اقطع خيطا جديداً يربطني به. لذلك أحاول التمسك بها أطول فترة ممكنة، حتى وإن كنت توقفت عن استخدامها. بمرور الوقت فإن هذه الأشياء الحميمة تبدا بالتلف، تصبح قديمة، باهتة، أو ربما غير مناسبة، كالحذاء أو السروال، أو طاقية الصوف التي أعطتني اياها أمي لتحميني من برد شهر آذار الذي غادرت فيه البلاد في السنة الماضية.

أشياء جديدة تأخذ مكانها، قد تكون ألوانها أجمل أو أكثر جودة من الأشياء القديمة، لكنها لا تضاهيها، لأنها تبقى باردة وبلا ذاكرة.

في كل مرة أتحدث مع والدتي على الهاتف تقول أنها تريد أن ترسل لي ثيابا ثقيلة، رغم أني أخبرتها أن الثياب هنا رائعة، لقد عرفت أن البرد شديد هنا في ألمانيا، حدثتها جارتها مرة أن أحدهم سقط أنفه من شدة البرد، ولكي أخفف من قلقها أرسلت لها العديد من الصور وأنا أرتدي معاطف محتلفة.

بالطبع هذا شيء رائع أن تتلقى قطعة ثياب من والدتك حتى ولو كانت هذه القطعة من صناعة الصين، لكن أحدا لن يتمكن من أن يحمل هدية أمي إلي عبر بحر إيجه لكن لا شيء يمكن أن يكون مثل أشيائك التي أتت معك من بلدك، قيمتها تكمن في أنها صلة الوصل المادية الوحيدة المتبقية لك مع ماضيك، و أنكما كنتما معا هناك في المكان والزمان نفسه. ربما ذاكرتك ورائحة هذه الأشياء، هي من يعطيها هذه الأهمية.

العديد من اللاجئين تصبح ثيابهم ضيقة، بعد أن يكسبون الوزن، معظمهم من القادمين من المخيمات أو المناطق التي يحاصرها نظام دمشق، يجدون الطعام بعد سنوات من الجوع، لكن في المقابل هناك من تصبح ثيابهم واسعة، ليس فقط الأشخاص الذين لا يحبون الطعام الألماني، بل أيضا اللاجئين الذين لا يفارقهم القلق والخوف على مصير عائلاتهم وأقاربهم العالقين في بلادهم المنكوبة.

في سوريا درجت العادة على أن تنتقل ملكية الأشياء الخاصة كالألعاب والثياب بين الأخوة، الأخ الكبير يعطي ثيابه القديمة للأخ الأصغر، بالطبع إذا كانت لا تزال بحالة جيدة. أي متعة يخلقها هذا التقليد، ان ترى قطعة من ثيابك التي كنت تحبها، وقد ارتداها شقيقك الصغير؟ ليس السبب اقتصادي دائماً، رغم أنه السبب الرئيس وراء هذا التقليد، ولكن لأن الأخ الاكبر عادة ما يكون قدوة للأصغر وارتدائك لثيابه يعني أنك صرت مثله او انك اقتربت خطوة أخرى من حياة الرجولة.

لا يوجد من يأخذ ثيابك هنا إذا توقفت عن ارتدائها، لا أخوة ولا أبناء اخوة ولا أقارب، الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها التفكير بأن مصير ثيابك القديمة لن يكون الحرق أو العدم هو أن تضعها في مستوعبات الصليب الأحمر، القليل فقط من اللاجئين يعرفون إن بإمكانهم فعل هذا، وأنهم قد يفيدون شخصا آخر بهذا.

لا يمكنك الاستمرار باستخدام قطعة ملابس بعينها لسنوات عديدة، يمكنك أن تضعها في خزانة ملابسك، لكنها ستفقد رائحتها بمرور الوقت، سوف تنسى ألوان أزرارها، وتنسى انك كنت تبتسم أمام المرآة عندما ترتديها في كل مرة، إلا إذا كنت تخطط لإبقائها في متحف لمقتنيات اللاجئين، بعد أن تصبح مأساتك قصة للتاريخ، تماما كم هو الحال في متحف مارين فيلده لمقتنيات اللاجئين، شاهدت هناك ألبسة، أدوات شخصية، ألعاب، كتب، وحقائب تعود إلى لاجئين أتوا إلى هنا في فترات سابقة، من ألمانيا الشرقية وبولونيا وسواها، ثم اختفوا في هذا المجتمع، وحدها أشيائهم المعروضة في ذلك المتحف، لازالت تشي بهم وتحكي قصصهم.

استمر في التخلي عن أشيائي واحدا بعد آخر، وافكر في القطعة الأخيرة التي ستبقى معي إلى النهاية، والتي سوف ارفض التخلي عنها، هل هو دفتر مذكراتي، أم محفظة نقودي الذي أهدته لي زوجتي في ذكرى زواجنا، ام أنها تلك التعويذة التي أرسلها إلي أبي عندما كنت في السجن، كلها أشياء ثمينة، سوف أخذها معي يوما إلى بلادي عندما أعود، هناك سوف أتخلص منها، لن يؤنبني ضميري إن فعلت.

لكن من يعلم قد لا اتمكن من أخذها معي، وبعد سنوات سيتقدم طالبين من ذلك الرف الزجاجي في متحف “مارين فيلده” سيكون هناك قبعة سوداء مع عبارة، هذه القبعة تعود إلى لاجئ سوري فر إلى ألمانيا في العام 2015 هربا من الحرب التي عصفت في بلاده. تلك هي الطاقية التي اعطتها لي أمي.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph