مقالة رأي: عندي ساتلايت .. ولا احتاج للاندماج – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 26 فبراير، 2016
مقالة رأي: عندي ساتلايت .. ولا احتاج للاندماج – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

تتفاوت قدرات اللاجئين على الاندماج في المجتمع، الكثير منهم يعملون بجد لتعلم اللغة الألمانية و لفهم المجتمع وعاداته ويسعون لكسب أصدقاء ألمان يساعدونهم أكثر في هذه العملية، على الجهة الأخرى هناك من يعتقد أنهم قادرين على الاستمرار دون أن يندمجوا، خاصة الكبار في السن، أو الذين يفكرون ليلاً نهارا بالعودة، هؤلاء يفضلون الحياة في الأحياء أو المناطق التي تعيش فيها أقليات، وعندما لا يكون ذلك ممكنا فهم يكتفون بعدد قليل من الأصدقاء من أبناء بلدهم، وصحن فضائي يلتقط محطات تلفزيونية تتحدث بلغة بلادهم.

بالنسبة لهذه النوعية من اللاجئين الاندماج مهمة صعبة، بل قد تكون مستحيلة أحياناً للبعض منهم، بإمكان الجوب سنتر أن يدفعهم نحو الخطوة الأولى من الاندماج وهو كورس للغة الألمانية، ولكن لا يمكن أن يجبرهم على التحدث، تماما مثل المثل الإنكليزي المعروف، بإمكانك ان تأخذ الحصان إلى الماء ولكن لا يمكنك إجباره على الشرب.

في منطقة Sonnene Alle حيث تعيش أقليات عربية وتركية في قلب برلين، شاهدت عرسا للاجئين فلسطينيين، تخيلت نفسي وكأنني في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين قرب دمشق، نفس الطريقة في الاحتفال، نفس العادات ، نفس الأغاني، لا شيء تغير سوى المكان والمزيد من الرفاهية. بحثت عن مظاهر للاندماج لكني لم أجد أي أثر لها في هذا المكان!.

تعرفت إلى الكثير من اللاجئين الذين يحاولون التملص من هذه العملية، البعض منهم قالوا إن الضغط الذي يمارسه عليهم الجوب سنتر لتعلم اللغة يتسبب لهم بالضيق الشديد، أحد اللاجئين ممن بدأوا باستخدام كلمة حقوق الإنسان مؤخرا قال لي مرة إن إجباره على تعلم الألمانية هو انتهاك لحقوقه!! ثم تابع: إنهم يطالبونا بالاندماج دائما ولكن هل جميع الألمان مندمجين؟. ألا يوجد ألمان غير منسجمين مع مجتمعهم، معزولين أو عدوانيين مثلاً؟.

اللاجئين الشباب أكثر قدرة على الـتأقلم، الوقوع في الحب مثلا هو سبب مهم من شأنه أن يجعل عملية الاندماج طبيعية وأقل صعوبة، المحظوظين فقط يتمكنون من البدء بعلاقات مع ألمان، لكن الكثير من الشبان لا تتاح لهم الفرصة، فيختارون طرقا أخرى للاندماج، يقومون بارتياد الأماكن التي يمكنهم فيها الالتقاء مع ألمان، يتحدثون مع البائعين دائماً، البعض منهم يبدؤون نوعا آخر من الاندماج، مثلاً يمزقون سراويلهم من عند الركب، يرتدون قبعات غريبة الشكل، أو يضعون سماعات على الأذن حتى يعطوا انطباع بأنهم جزء من هذا المجتمع، بالطبع هذه التصرفات تبقى نوعا رديئا من الاندماج إذا اقتصرت على التقليد فقط، ولم تذهب أعمق، بمعنى أن تؤثر في موقف المهاجر من نمط الحياة الغربية والحريات الفردية أو الموقف من المرأة مثلا.

رأيت شاباً ألمانياً يصلح أن يكون عارض أزياء يحضن بحرارة فتاة آسيوية قصيرة، كانت بشعة إلى حد بعيد، حتى أن الذين في مثل جمالها في مجتمعاتنا القاسية غالبا ما لا يكون لهن نصيب في الزواج. السؤال الذي يتبادر دائما إلى تفكير أي شخص قادم من مجتمعاتنا التي تمتلك مفهوم آخر للعلاقات هو: ما الذي يدفع بشاب الماني وسيم إلى الوقوع في حب مثل هذه الفتاة؟.

معظم الشباب في بلادنا يمرون بعلاقات عاطفية خاصة خلال فترة الجامعة، معظمها يبقى سريا، المشكلة أنه عندما يحين موعد الزواج فإن معظمهم يأخذون برأي أمهاتهم لاختيار الزوجة، بالطبع هذا يخلق لاحقا مشكلات عائلية، و كثيرا ما ينتهي هذا النوع من الزواج بالطلاق أو بحياة زوجية باهتة. أما هنا فالأمر مختلف ذلك أن حرية الاختيار مكفولة تماما للشباب في اختيار شركاء حياتهم هنا، وأنه لا توجد علاقات مفروضة او زواج الإكراه كما هو الحال في بلادنا.

الاندماج الحقيقي هو عندما يبدأ اللاجئون بالتخلص من الأفكار المسبقة التي يحملونها عن طبيعة العلاقة بين أي شاب وفتاة، ويعتنقون قناعات ومواقف جديدة حيال الفتيات اللواتي سوف يشاركونهم حياتهم.

علاقة الشاب الألماني الوسيم بالفتاة الأسيوية هي تعبير عن احترام المجتمع والعائلة لإرادتهما الفردية، على الأغلب مثل هذه العلاقات ليست قابلة للنقاش في اجتماع عائلي حول مواصفات فتاته و درجة جمالها ودرجة تعليمها ومستوى عائلتها الاجتماعي.

يجب أن يعتاد المهاجرين الجدد على احترام الرغبات الفردية فهي تتكرر بطرق مختلفة، تعرفت على شاب لبناني متزوج من سيدة ألمانية تكبره بخمسة وعشرين سنة على الأقل، يعيشان حياة طبيعية إلى أبعد حدود، لكن السؤال الآن، ماذا لو قرر هذا الشاب اخذ زوجته معه إلى لبنان، هل سيكون قادرا هناك أن يقدمها إلى امه على انها زوجته؟ هل سيتمكن من التجول ماسكا يدها في المدينة او القرية التي ولد فيها؟. اعتقد انه أمر صعب ولا بد له في كل مرة يسافر فيها إلى بلده الاصلي ان يختلق عذرا جديدا ليمنعها من مرافقته إلى هناك.

لكن هذا لا يعني شيئا هنا، هو أمر طبيعي للغاية.

حياة اللاجئين اليومية في ألمانيا تضعهم أمام مواقف مختلفة، لم يعتادوا عليها من قبل، ومن كانوا يعترضون على قبلة ساخنة بين شاب وفتاة في الشارع، باتوا يتقبلونها بعد ان رأوا قبلة ساخنة بين رجلين أو بين فتاتين.

مثل هذه المواقف تصادفك دائما وقد تستنكرها في البداية لكن تكرارها الدائم بطريقة ما، يجعلك مضطرا لإجراء مقارنة سريعة مع مجتمعك الاصلي، بعد ذلك تتوقف عن تلك المقارنات ويصبح التعامل مع هذه المواقف جزء من عملية طوعية لإنجاز فعل الاندماج الفكري أولاً، ولكن بالنسبة لهؤلاء الذين لا يرغبون بالاندماج لن يكون بمقدورهم تقبلها، هؤلاء سوف يستمرون في بناء أسوار حول انفسهم حتى يصبحوا غير قادرين على رؤية ما يحيط بهم.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة على الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

هذا الموقع يستخدم Google Analytics في حال عدم رغبتك بظهور زيارتك في إحصائيات غوغل اضغط هنا.
error: Content is protected !!