مقالة رأي: متراً واحداً بعيداً من اللاجئين ! – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 17 يناير، 2016

لا توجد طريقة أفضل من التحرش الجنسي كي تفقد تعاطف المجتمع الذي تعيش فيه. إنها جريمة خطيرة، لا تنتهي بالسجن فقط، ولكنها تضعك في مرتبة اجتماعية وضيعة، مع اللصوص والقتلة. تلازمك طوال حياتك، وقد تدمر مستقبلك المهني وتجعل أصحاب العمل يمتنعون عن تشغيلك.

بعد اعتداءات باريس الإرهابية كان اللاجئون في ألمانيا يحاولون القول أننا لسنا إرهابيين، واليوم بعد الاعتداءات الهمجية الجنسية في كولون ومدن ألمانية أخرى، يحاولون القول إننا لسنا مغتصبين للنساء. هل هو قدر مجتمع اللاجئين الهش أن يبقى عرضة للأزمات دائماً؟.

لن أتحدث عن الكبت الجنسي والفصل بين الجنسين الذي يسيطران على مجتمعات اللاجئين القادمين إلى ألمانيا وتأثيرهما في خلق المغتصبين، بل عن هؤلاء الذين يعتقدون أن التحرش الجنسي قد يكون أمراً طبيعياً بالنسبة إلى النساء في إطار الحرية الجنسية التي يتمتعن بها في العالم الغربي، هم لا يعرفون أن السيدات هنا في ألمانيا لن يقبلن أن يتعرضن للتحرش ولن يكتفين بالابتعاد عنك أو التظاهر بأنهن لم يتعرضن للتحرش، كما يحدث في البلاد التي أتيت منها، هناك غالبية النساء يلتزمن الصمت لأن المجتمع يعتبر التحرش بالفتاة هو نتيجة لسلوكها او طريقة لبسها أو مكياجها، علما أن النساء المحجبات يتعرضن للتحرش بنفس الطريقة التي تتعرض لها غير المحجبات.

في سورية لم يكن التحرش أمرا نادراً، فالفتيات يعانين من مختلف أنواع التحرش اللفظي و الجسدي والتحرش في العمل والشارع وفي المنزل أحياناً، ومع ذلك لم يكن هناك اعتراف رسمي بأن هذه الظاهرة خطيرة، لم تكن هناك دراسات كافية أو استطلاعات رأي ميدانية، كان الجميع يختبئ خلف كلمتين الأخلاق والدين، رغم أنهما لم يمنعا وقوع هذه الانتهاكات. التحرش هناك يصنف على أنه اعتداء على القيم الأخلاقية للمجتمع وليس اعتداء شخصي على المرأة فقط، ولا يمكن لمتحرش أن ينجو بفعلته في حال كان التحرش علني أو مبالغ فيه، أو في حال طلبت الفتاة المساعدة، الناس سوف تسرع لردع الفاعل وأحياناً بطريقة عنيفة، لكني شخصياً لم أسمع عن أية حادثة تحرش جماعية. لكن الحرب المستمرة منذ خمسة سنوات أفرزت ما هو أسوأ من جريمة التحرش التقليدية، وهو الخطف والاغتصاب الذي استخدمته الأطراف المتحاربة كوسيلة للضغط على الخصم، وقد سجلت منظمات حقوق الإنسان العديد من حالات الاغتصاب في المعتقلات وفي سجون التنظيمات الإسلامية المتشددة. مرة أخرى الادعاء بوجود الأخلاق والتدين لم يمنع من ارتكاب مثل هذه الجرائم.

إن أكثر المتحرشين استفزازا هم المتحرشين المراهقين الذين لا يتورعون عن ارتكاب اكثر انواع التحرش إزعاجاً، هؤلاء لا يتوقفون حتى عندما تقوم الفتاة بتهديدهم، وقد يتحولوا إلى مراهقين خطيرين في حال شعروا بالإهانة، وقد ينتقلوا من التحرش إلى العراك. لكن الأخطر من هؤلاء هم المتحرشين الكامنين، هؤلاء يتحاشون التحرش العلني، لكنهم يقومون بالتحرش عندما يتأكدوا بأنه لن تتم رؤيتهم، وعادة هذا النوع ما يكون خطير جداً وقد لا يكتفون بالتحرش بل قد يقومون باغتصاب ضحاياهم، وهم غالبا ما يكونوا ناضجين وفي أعمار كبيرة.

طوال الأيام التي أعقبت حوادث الاعتداء في كولون، كنت اتمنى ألا يكون بين المغتصبين لاجئين، وإذا كانوا لاجئين كنت أتمنى ألا يكونوا سوريين، لأنك لن تكون قادر على الدفاع عنهم، تبرير التحرش الجنسي أمر مستحيل، هو التعبير الأكثر وضوح عن دونية الفاعل ووضاعته، الإرهابيون ليسوا من يفجرون الأحزمة الناسفة فقط، الإرهابيون ايضاً هم من يرهبون النساء بهذه الطريقة ومن يشوهون صورة شعوبهم، يشعلون الحرائق ثم يهربون بعيداً. ومن قاموا بالاعتداءات في كولون لم يميزوا بين سيدة المانية وغيرها فهناك الكثير من النساء غير الألمانيات تعرضن لتحرشات جنسية ليلة راس السنة.

بعد هجمات باريس الإرهابية بلغ اللاجئين في أحد المخيمات عن شخص كان قد تحدث عن اعتداءات باريس قبل وقوعها، واليوم فإن اللاجئين مطالبين بالتعاون مع الشرطة للكشف عن هؤلاء، الأمر حساس للغاية هذه المرة والمخاوف لدى الألمان تتزايد بشكل كبير ولا بد من تبديد مخاوفهم بأن هذه الحوادث لن تتكرر إذا أردنا ان نعيش سوية.

بعد أيام قليلة على الاعتداءات طلب عمدة كولون من النساء اتخاذ الحذر في تنقلاتهن وترك مسافة متر على الأقل مع الشخص الذي يسير خلفهن خاصة إذا كانوا من اللاجئين. بالتأكيد ليس على النساء ان يغيروا سلوكياتهن بسبب هذه الحادثة، القادمين إلى ألمانيا من يجب أن يتغيروا و يجب إيقاف كل الذين يحاولوا ان يجعلوا هذه المسافة بين الألمان واللاجئين تصبح أطول من متر واحد.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة على الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية عن صفحته الشخصية على موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph

error: Content is protected !!