مقالة رأي: سانتا كلوز أرجوك لا تنزل من المدخنة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

  • 26 ديسمبر، 2015
مقالة رأي: سانتا كلوز أرجوك لا تنزل من المدخنة – يحيى الأوس لـ “زود دويتشه تسايتونغ”

لم يكن بابا نويل قريباً من الناس في سورية كما في السنوات الأخيرة، فقد تفنن السوريون في رسمه بطرق عديدة، فمرة يظهر ضعيف البنية من اثر سوء التغذية، ومرة تراه ينظر بأسى فوق تلة من الخراب، وأخرى يحمل فيها سلاحاً، أو معتقلاً أو يركب طائرة حربية ويرمي الصواريخ والبراميل المتفجرة عوضا عن الهدايا. لقد أصبحت شعبيته أكبر من قبل، يعيش مع الناس ويحمل همومهم بسخرية وحزن، بدلاً من مشاعر الفرح التي أعتاد حملها في السابق.

حوارات كثيرة كانت تدور حول جواز الاحتفال من عدمه، وهل هو مناسبة دينية يجب توخي الحذر في الانخراط فيها؟ أم مجرد طقس احتفالي لا يجب تفويته خاصة بالنسبة للأطفال، وأخر هذه الحوارات سمعتها هنا في برلين بين طفل وأبيه من المهاجرين الجدد إلى برلين. إليكم الحوار.

الطفل: بابا هل سيأتي سانتا كلوز في يوم الميلاد ليعطيني هدية..

الأب: نعم سوف يأتي كل ما عليك أن تفعله هو أن تبقى مطيعاً لوالدتك حتى تضمن الحصول منه على هدية جميلة.

الطفل: سمعت أنه ينزل أحيانا من المدخنة!! ماذا سنفعل لو نزل هذه المرة من المدخنة و كانت أمي لا تضع الحجاب على رأسها؟.

الأب: علينا إذا أن نغلق المدخنة عندها سوف يضطر إلى دق الباب..

الطفل ماذا لو أخطأ وقرع باب الجيران وأعطى الهدايا لأبنائهم ونسي أن يعطيني هديتي؟

الأب: لن ينسى ولكن إذا نسي فسأعطيك أنا هدية أكبر وأجمل.

الطفل يفكر وقد ظهرت عليه علامات القلق، لن أنام في تلك الليلة سوف أبقى ساهراً حتى يأتي، لكن أرجوك يا بابا نويل، لا تأتي عبر المدخنة هذه المرة.

يعكس هذا الحوار بين طفل لاجئ في ألمانيا و أبيه قبل أيام من عيد الميلاد، موقف قسم من المسلمين في ألمانيا من عيد الميلاد، فالكبار يخشون أن يدخل بابا نويل إلى بيوتهم بدون استئذان حاملا معه قيماً جديدة قد يكون من الصعب التخلص منها لاحقاً، خاصة وأن أطفالهم باتوا اليوم وجها لوجه أمام ثقافة يعتبرها آبائهم غريبة عنهم وتعود جذورها إلى أصول مسيحية، في حين يرغب الأطفال أن يكونوا جزءا من هذا التقليد الممتع الذي يشعرون بانجذاب شديد إليه.

الموقف من عيد الميلاد يرتبط بالعائلة ومدى التزامها الديني، فالعائلات المحافظة تعتبر هذه المناسبة غريبة تماماً عنها ولا تتفاعل معها، بل تعتقد أنها نوع من التبشير الديني، لذلك فهم يحاولون ألا يظهروا أي قدر من الاهتمام بها لا بل إنهم يتجاهلونها قدر المستطاع، في حين تنظر العائلات المعتدلة دينياً إلى هذه المناسبة بوصفها طقساً احتفالياً خالصاً بغض النظر عن ارتباطه بالتاريخ المسيحي، وتتعامل معه كما تتعامل مع الأعياد الأخرى.

أعياد الميلاد ليست تجربة جديدة بالنسبة للاجئين، خاصة القادمين من سورية والعراق، لأن هذه المجتمعات تعيش منذ آلاف السنين جنبا إلى جنب مع المسيحيين الذين كانوا ولا يزالون يمارسون طقوسهم وعاداتهم بنفس الطريقة التي يحتفل بها المسيحيين في أي مكان في العالم، هناك يسبق المسلمون أحياناً المسيحيين في اقتناء الشجرة ويتفننون في تزيينها أكثر مما يفعل المسيحيون، وأكبر اشجار الميلاد التي رفعت في بلد مثل سورية كانت في المدن التي يعيش فيها المسلمين وليس المسيحيين، كما تنتشر الأضواء وزينة الميلاد في الأحياء ذات الغالبية المسلمة تماماً كما هي في الأحياء ذات الغالبية المسيحية.

في هذا العام يأتي عيد المولد النبوي للرسول محمد وميلاد السيد المسيح هذه السنة في يومين متتالين وهذا الأمر يحصل كل 33 سنة، مما يدفع العديد من الناس على المقارنة في طريقة الاحتفال بالمناسبتين، المشكلة ليست في أن الاحتفال بمولد الرسول محمد لا يترافق بنشاطات تشبه تلك التي ترافق مولد المسيح، بل في أن الاحتفال بميلاد النبي محمد أو بأعياد الميلاد الشخصية عموما هو مخالف لتعاليم الإسلام. ولكن بالرغم من هذا فمن النادر أن تجد عائلة مسلمة لا تحتفل بطريقة ما بعيد ميلاد ابنائها.

المسلمون في ألمانيا اليوم أمام خيارين، الأول هو إثبات أنهم جزء من النسيج الألماني متعدد الثقافات، فتكون احتفالات عيد الميلاد في هذا العام فرصة للاندماج و تحسين علاقات أطفالهم بزملائهم الألمان، والثاني أن يعززوا بعض الاتهامات الموجهة لهم بأنهم يفضّلون العزلة الاجتماعية وبين هذين الاتجاهين تجد الكثير من اللاجئين المسلمين الذين لم يحسموا أمرهم بعد، هؤلاء يحتفلون بعيد الميلاد خفية ويحرصون على أن لا يراهم أحد خاصة من أبناء جلدتهم، كثيرون منهم يشترون شجرة للميلاد وأضواء وأجراس وكرات ملونة، لكنهم يفضلون إبعادها عن النوافذ أو البلكونات وصالونات الاستقبال كي لا يراها مسلمون آخرون.

وفي حال حدث مثل هذا فالتبرير جاهز.. يقولون إنها من أجل الأطفال فقط… مجرد لعبة كباقي الألعاب الأخرى!!.

شخصياً كانت شجرة الميلاد في مستودع البيت، مثل مدفأة الشتاء، تخرج في الفصل البارد وتعود إليه في الربيع، كانت بلاستيكية، أما هنا فقد اخترت هذه السنة شجرة طبيعية، كانت ثقيلة جداً، هكذا اكتشفت بعد أن وضعتها فوق قدم أحدهم في الباص، أمضينا ساعات في تزيينها، خاصة زوجتي وابنتي، كان كل شيء يرتبط بآخر مرة قمنا فيها بتزيين شجرة الميلاد بسوريا، فهذه السنة كانت جميع أعيادنا بعيداً عن عائلتنا الكبيرة في سورية، الخالات والعمات والأصدقاء، لكن أصدقاء رائعون دعونا لنمضي عيد الميلاد معهم، سنغني أغنية الميلاد بالألمانية معهم – اعتقد ان ابنتي يعرفانها من المدرسة- أما أنا وزوجتي فسنكتفي بالتقاط الصور وسوف نتذوق الأوز المحشي، الطبق التقليدي في هذه المناسبة، وعندما نعود للمنزل سنرسل الصور للعائلة هناك في سورية وسأعمل على الاحتفاظ بالشجرة لأطول فترة ممكنة، ولن أخبر ابنتي أن هناك فيلا في حديقة الحيوانات ينتظر ان يأكل هذه الشجرة التي امضينا ساعات في تزيينها، فقد علمت ان أشجار الميلاد ترسل إلى هناك لتقتات بها الأفيال بعد ان تنتهي الاحتفالات.

كتب الصحفي يحيى الأوس المقال لصحيفة زود دويتشه تسايتونغ ونٌشرت باللغة على الألمانية DE، وتم نشر ترجمتها العربية عن صفحته الشخصية على موقع فيسبوك

sulaiman
ADMINISTRATOR
الملف

أقرأ أيضاً

آخر الأخبار

فيديو

Der Telegraph